First Previous Next Last

من الأول، ألا وهو إسلام عمر بن الخطاب، أسلم في ذى الحجة سنة ست من النبوة1. بعد ثلاثة أيام من إسلام حمزة رضي الله عنه2. وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد دعا الله تعالى لإسلامه. فقد أخرج الترمذى عن ابن عمر، وصححه، وأخرج الطبراني عن ابن مسعود وأنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك: بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل بن هشام" فكان أحبهما إلى الله عمر رضي الله عنه3.
وبعد إدارة النظر في جميع الروايات التي رويت في إسلامه يبدو أن نزول الإسلام في قلبه كان تدريجيًا، ولكن قبل أن نسوق خلاصتها نرى أن نشير إلى ما كان يتمتع به رضي الله عنه من العواطف والمشاعر.
كان رضي الله عنه معروفًا بحدة الطبع وقوة الشكيمة، وطالما لقى المسلمون منه ألوان الأذى، والظاهر أنه كانت تصطرع في نفسه مشاعر متناقضة؛ احترامه للتقاليد التي سنها الآباء والأجداد وتحمسه لها، ثم إعجابه بصلابة المسلمين، وباحتمالهم البلاء في سبيل العقيدة، ثم الشكوك التي كانت تساوره -كأي عاقل- في أن ما يدعو إليه الإسلام قد يكون أجل وأزكى من غيره، ولهذا ما إن يَثُور حتى يَخُور. قاله محمد الغزالي4.
وخلاصة الروايات مع الجمع بينها -في إسلامه رضي الله عنه: أنه التجأ ليلة إلى المبيت خارج بيته، فجاء إلى الحرم، ودخل في ستر الكعبة، والنبي صلى الله عليه وسلم قائم يصلي، وقد استفتح سورة {الْحَاقَّةُ}، فجعل عمر يستمع إلى القرآن، ويعجب من تأليفه، قال: فقلت -أي في نفسي-: هذا والله شاعر، كما قالت قريش، قال: فقرأ {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ} [الحاقة: 40، 41] قال: قلت: كاهن. قال: {وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ، تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} إلى آخر السورة [الحاقة: 42، 43]. قال: فوقع الإسلام في قلبي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 تاريخ عمر بن الخطاب لابن الجوزي، ص11.
2 ستأتي رواية في ذلك.
3 الترمذي، أبواب المناقب، مناقب أبي حفص عمر بن الخطاب 2/ 209.
4 فقه السيرة، ص92، 93.
5 تاريخ عمر بن الخطاب لابن الجوزي ص6، وبقرب من هذا ما رواه ابن إسحاق عن عطاء ومجاهد لكن في آخره ما يخالف ذلك انظر ابن هشام 1/ 346، 347، 348، ويقرب من هذا أيضا ما أورده ابن الجوزي عن جابر، وفي آخره أيضا ما يخالف هذه الرواية انظر تاريخ عمر بن الخطاب ص9-10.