First Previous Next Last

وذكر ابن هشام وكذا ابن الجوزي مختصرا، أنه لما أسلم عمر بن الخطاب لم تعلم قريش بإسلامه، فقال: أي أهل مكة أنشأ للحديث؟ فقالوا: جميل بن معمر الجمحي. فخرج إليه وأنا معه، أعقل ما أرى وأسمع، فأتاه، فقال: يا جميل، إني قد أسلمت، قال: فو الله ما رد عليه كلمة حتى قام عامدًا إلى المسجد فنادى "بأعلى صوته" أن: يا قريش، إن ابن الخطاب قد صبأ. فقال عمر وهو خلفه: "كذب، ولكني قد أسلمت، وآمنت بالله وصدقت رسوله"، فثاروا إليه فما زال يقاتلهم ويقاتلونه حتى قامت الشمس على رءوسهم، وطَلَح أي أعيا عمر، فقعد، وقاموا على رأسه، وهو يقول: افعلوا ما بدا لكم، فأحلف بالله أن لو كنا ثلاثمائة رجل لقد تركناها لكم أو تركتموها لنا1.
وبعد ذلك زحف المشركون إلى بيته يريدون قتله. روى البخاري عن عبد الله بن عمر قال: بينما هو -أي عمر- في الدار خائفًا إذ جاءه العاص بن وائل السهمي أبو عمرو، وعليه حلة حبرة وقميص مكفوف بحرير وهو من بني سهم، وهم حلفاؤنا في الجاهلية فقال له: ما لك؟ قال: زعم قومك أنهم سيقتلوني إن أسلمت، قال: لا سبيل إليك -بعد أن قالها أمنت- فخرج العاص، فلقى الناس قد سال بهم الوادي، فقال: أين تريدون؟ فقالوا: هذا ابن الخطاب الذي قد صبأ، قال: لا سبيل إليه، فَكَرَّ الناس2. وفي لفظ في رواية ابن إسحاق: والله، لكأنما كانوا ثوبًا كُشِطَ عنه3.
هذا بالنسبة إلى المشركين، أما بالنسبة إلى المسلمين فروى مجاهد عن ابن عباس قال: سألت عمر بن الخطاب: لأي شيء سميت الفاروق؟ قال: أسلم حمزة قبلى بثلاثة أيام -ثم قص عليه قصة إسلامه. وقال في آخره-: قلت -أي حين أسلمت-: يا رسول الله، ألسنا على الحق إن متنا وإن حيينا؟ قال: "بلى! والذي نفسي بيده، إنكم على الحق وإن متم وإن حييتم"، قال: قلت: ففيم الاختفاء؟ والذي بعثك بالحق لنخرجن، فأخرجناه في صفين، حمزة في أحدهما، وأنا في الآخر، له كديد ككديد الطحين، حتى دخلنا المسجد، قال: فنظرت إلىّ قريش وإلى حمزة، فأصابتهم كآبة لم يصبهم مثلها، فسماني رسول الله صلى الله عليه وسلم "الفاروق" يومئذ4.
وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول: ما كنا نقدر أن نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر5.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 نفس المصدر ص8 وابن هشام 1/ 348، 349.
2 صحيح البخاري، باب إسلام عمر بن الخطاب 1/ 545.
3 ابن هشام 1/ 349.
4 تاريخ عمر بن الخطاب لابن الجوزي ص6، 7.
5 مختصر سيرة الرسول للشيخ عبد الله النجدي ص103.