First Previous Next Last

وبهما عمارة الدنيا والآخرة، والقالب بمفرده على طبيعة الحيوانات يستعان به على عمارة الدنيا، والروح والقلب على طبيعة الملائكة يستعان بهما على عمارة الآخرة، وباجتماعهما يصلحان لعمارة الدارين.
قال الغزالي: ولا طريق إلى الوصول إلى اللقاء إلا بالعلم والعمل، ولا تمكن المواظبة عليهما إلا بسلامة البدن، ولا تصفو سلامة البدن إلا بالأطعمة والأقوات، والتناول منها بقدر الحاجات، على تكرر الأوقات.
فمن هذا الوجه، قال بعض السلف الصالحين: إن الأكل من الدين، ................

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لسلامته من الأمراض الباطنة؛ كحسد وشح وغل وكبر، أو فاسدة لعدم سلامته من ذلك تحرك البدن بتلك الحركة، فهو كالملك والجسد، وأعضاؤه كالرعية؛ يصلح بصلاح الملك، وتفسد بفساده، ولذا كان "بهما عمارة الدنيا والآخرة" وبَيِّنَ وجه هذا بقوله: "والقالب بمفرده على طبيعة الحيوانات" من حيث تركيب شهوة البطن والفرج, وغيرهما من القوى البشرية التي تكون سببًا للسفر والزراعة، وغيرهما مما "يستعان به على عمارة الدنيا", فهذا سبب كون القالب به عمارتها، "والروح والقلب على طبيعة الملائكة" فيحملان على الطاعة؛ كصوم وصدقه وصلة رحم، وغير ذلك من القربات، ويمنعان من الحرام؛ كزنا وشرب، وبذلك "يستعان بهما على عمارة الآخرة", فهذا سبب كون القلب به عمارتها، "وباجتماعهما" القلب والقالب "يصلحان لعمارة الدارين، وليس ضمير اجتماعهما للروح والبدن، لقوله أولًا وبهما -أي: القلب والقالب- عمارة الدنيا والآخرة.
"قال الغزالي: ولا طريق إلى الوصول إلى اللقاء" لله تعالى بقربه منه قرب مكانة لإمكان؛ بحيث يتجلَّى عليه بالرحمة والإنعام في الآخرة، "إلّا بالعلم والعمل، ولا تمكن المواظبة عليهما إلا بسلامة البدن، ولا تصفو سلامة البدن إلا بالأطعمة والأقوات" عطف خاص على عام، عطف عليها، وفي نسخة منهما، فكأنه لما فرق بالواو ثنَّى الضمير، "والتناول منها بقدر الحاجات على تكرر الأوقات" لإجراء الله عادته بذلك، "فمن هذا الوجه قال بعض السلف الصالحين: إن الأكل" بفتح، وسكون مصدر، أي: تناول ما يؤكل ويشرب "من الدِّين" الأحكام المشروعية، فيكون واجبًا ومستحبًّا، وغيرهما، وقد قسمه صاحب الأحياء والمدخل سبعة أقسام، ما تقوم به الحياة والزيادة حتى يصوم يصلي من قيام، وهذان واجبان، وأن يزيد حتى يقوى على النوافل، ويزيد حتى يقدر على التكسب، وهذان مستحبان، الخامس أن يملأ الثلث وهو جائز، السادس أن يزيد على ذلك فيثقل البدن ويكثر النوم وهذا مكروه، السابع أن يزيد حتى يتضرر، وهي البطنة المنهي عنها وهذا حرام.