فنظر إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصاحبيه فقال: الحمد لله ما أحد اليوم أكرم أضيافًا مني.
فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب، فقال: كلوا، وأخذ المدية, فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "إياك والحلوب"، فذبح لهم فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق وشربوا، فلما أن شبعوا ورووا, قال -صلى الله عليه وسلم- لأبي بكر وعمر: "والذي نفسي بيده لتسألنَّ عن هذا النعيم يوم القيامة ....................
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التحتية، وإسكان الزاي، ومهملة، فموحَّدة، يدفعها لثقلها، فوضعها، ثم جاء يلتزم النبي -صلى الله عليه وسلم، ويفديه بأبيه وأمه، "فنظر إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصاحبيه، فقال: الحمد لله" على هذه النعمة العظيمة، التي لم يظفر بها أحد غيري في هذا اليوم، "ما أحد اليوم أكرم أضيافًا مني، فانطلق" بهم إلى بستانه، ففي رواية الترمذي: ثم انطلق بهم إلى حديقته، فبسط لهم بساطًا، ثم انطلق إلى نخلة، "فجاءهم بعذق" -بكسر المهملة، وتفتح، وإسكان المعجمة، وقاف- القِنْو، بكسر القاف، وسكون النون، وهو من النخل بمنزلة العنقود من الكرم، ولفظ الترمذي: فجاء بقنو "فيه بسر" بلح طري، "وتمر ورطب" بضم ففتح: ثمر النخل إذا أدرك، ونضج قبل أن يثتمر، والرطب نوعان: نوع لا يثتمر، وإذا تأخر أكله أسرع إليه الفساد، ونوع يثتمر، ويصير عجوة، وتمرًا يابسًا، "فقال" بعد وضعه بين أيديهم: "كلوا" قال القرطبي: إنما فعل ذلك؛ لأنه الذي تيسر فورًا بلا كلفه، لا سيما مع تحققه حاجتهم، ولأن فيه ألوانًا ثلاثة، ولأن الابتداء بما يتفكّه به من الحلاوة أَوْلَى، لأنه مقوٍّ للمعدة؛ لأنه أسرع هضمًا، وفي رواية الترمذي، فقال -صلى الله عليه وسلم: "أفلا تنقيت أنا من رطبه"؟، فقال: يا رسول الله, إني أردت أن تختاروا، في رواية: أحببت أن تأكلوا من تمره وبسره ورطبه، "وأخذ المدية" السكين، "فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "إياك والحلوب" أي: باعد نفسك عنها، نهاه عن ذبحها، شفقة على أهله بانتفاعهم بلبنها، مع حصول المقصود بغيرها، فهو نهي إرشاد لا كراهة في مخالفته، لزيادة إكرام الضيف، لكنه امتثل الأمر، "فذبح لهم" عناقًا، أو جديًا، كما عند الترمذي بالشك والعناق، بالفتح، أنثى المعز لها أربعة أشهر، وقيل: ما لم تتم سنة، والجدي، بالفتح: ذكر العنز لم يبلغ سنة.
وفي رواية: فشوى نصفه، وطبخ نصفه، وأتاهم به، فلما وضع بين يديه -صلى الله عليه وسلم، أخذ من الجدي، فجعله في رغيف، وقال الأنصاري: "أبلغ بهذا فاطمة لم تصب مثله منذ أيام"، فذهب به إليها، "فأكلوا من الشاة، ومن ذلك العذق، وشربوا" من ذلك الماء العذب، "فلما أن شبعوا، ورووا، قال -صلى الله عليه وسلم- لأبي بكر وعمر: "والذي نفسي بيده" بقدرته، "لتسألن عن هذا النعيم" كل ما يتنعم، أي: يستطاب، ويستلذ به "يوم القيامة".
قال الله تعالى: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} [التكاثر: 8] الآية، وهذا ناظر لقوله في خبر