الله وما يخاف أحد، ولقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، ولقد أتت عليَّ ثلاثون من يوم وليلة ما لي ولبلالٍ طعام يأكله أحد إلا شيء يواريه إبط بلال". رواه الترمذي وصحَّحه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أخافني المشركون بالتهديد والإيذاء الشديد في أمر الله، أو لله، نحو: "دخلت النار امرأة في هرة"، أي: هرة، "و" الحال أنه "ما يخاف أحد" غيري من الناس، لأنهم في حال الأمن، وكنت وحيدًا في ابتداء الدين، ولم يكن أحد يوافقني في تحمُّل أذية الكفار، أو هو دعاء، أي: حفظ الله المسلمين عن الإخافة، أو مبالغة في الإخافة، وذلك معروف لغة، يقال لي: بلية لا يبلى بها أحد، "ولقد أوذيت" ماض مجهول من الإيذاء، "في الله" بقولهم: ساحر، شاعر، مجنون وغير ذلك، "وما يؤذي أحد" غيري بشيء من ذلك، بل كنت المخصوص بالإيذاء، لنهي إياهم عن عبادة الأوثان، وأمري لهم بعبادة الرحمن.
وقال ابن القيم: قوله في كثير من الأحاديث في الله يحتمل معنيين، أحدهما: أن ذلك في مرضاة الله وطاعته، وهذا فيما يصيبه باختياره، والثاني: أنه بسببه، ومن جهته حصل ذلك, وهذا فيما يصيبه بغير اختياره، وغالب ما يجيء من الثاني، وليست في للظرفية، ولا لمجرد السببية، وإن كانت السببية أصلها، ألا ترى في خبر "دخلت النار امرأة في هرة"، فإن فيه معنى زائد على السببية، فقولك: فعلت كذا في مرضاتك, فيه معنى زائد على: فعلته لرضاك, وإن قلت: أوذيت في الله لا تقوم مقامه بسبب، انتهى.
وقد ناله -صلى الله عليه وسلم- من الأذى ما يطول تفصيله، وتقدَّم بعضه في المقصد الأول، "ولقد أتت علي ثلاثون من يوم وليلة" لفظ الترمذي في جامعة وشمائله: "من بين يوم وليلة"، وهو بيان للتوالي، أي: ثلاثون متواليات غير متفرقات، لا ينقص منها شيء.
قال الطبيبي: وهو للتأكيد الشمولي، ووجه إفادة الشمول أنه يفيد أنه لم يتكلم بالتسامح والتساهل، بل ضبط أول الثلاثين وآخرها. "ما لي ولبلال طعام يأكله أحد" لفظ الترمذي في الجامع والشمائل: "يأكله ذو كبد، أي حيوان عاقل، أو دابة"، "إلا شيء" قليل جدًّا، ولذا كان "يواريه" يستره "إبط بلال" بالكسر: ما تحت الجناح يذكر ويؤنث، يعني كان ذلك الوقت رفيقي ولم يكن لنا طعام إلا بقدر ما يأخذه بلال تحت إبطه، ولم يكن لنا ظرف نضع الطعام فيه كناية عن كمال القلة.
قال الترمذي: كان ذلك، لما خرج من مكة هاربًا، واعترض بأن بلالًا لم يكن معه حين الهجرة، ورد بأنه لم يردها، بل خروجه قبلها إلى الطائف وغيره.
"رواه الترمذي" في الزهد من سننه وفي شمائله، "وصححه" حيث قال في السنن حسن