First Previous Next Last

فأتاه إسرافيل فقال: إن الله سمع ما ذكرت فبعثني إليك بمفاتيح خزائن الأرض، وأمرني أن أعرض عليك أسيِّر معك جبال تهامة زمردًا وياقوتًا وذهبًا وفضة، فإن رضيت فعلت، فإن شئت نبيًّا ملكًا، وإن شئت نبيًّا عبدًا، فأومأ إليه جبريل أن تواضع فقال: "بل نبيًّا عبدًا" ثلاثًا، رواه الطبراني بإسناد حسن.
فانظر إلى همته العلية -صلى الله عليه وسلم, كيف عرضت عليه مفاتيح كنوز الأرض فأباها، ومعلوم أنه لو أخذها لأنفقها في طاعة ربه، فأبى ذلك، فيا لها من همّة شريفة رفيعة ما أسناها, ونفس زكية ما أبهاها. ولله در صاحب بردة المديح حيث قال:
وراودته الجبال الشم عن ذهب نفسه فأراها أيما شمم
وأكَّدت زهده فيها ضرورته إن الضرورة .......................

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولعل حكمة نزوله بتلك الهدة، الإشارة إلى قدرته على فعل ما يعرضه عليه؛ "فأتاه إسرافيل، فقال: إن الله قد سمع ما ذكرته" لجبريل، "فبعثني إليك بمفاتيح خزائن الأرض" المعادن، أو البلاد التي فيها، أو الممالك التي فتحت لأمته بعده، وظاهر الحديث أنها مفاتيح وخزائن حقيقية، وهو الأصل؛ وذكر الزمخشري فيه وما أشبهه؛ أنه من قبيل التمثيل والاستعارة، قال في قوله: وإن من شيء إلا عندنا خزائنه، ذكر الخزائن تمثيل، والمعنى: وما من شيء ينتفع به العباد، إلّا ونحن قادرون على إيجاده وتكوينه والإنعام به، فضرب الخزائن مثلًا، "وأمرني أن أعرض عليك أسيِّر" بدل من أعرض، أو أن مقدرة، أي: أن أسير "معك جبال تهامة زمردًا" بزاي أوله وذال معجمة آخره، "وياقوتًا وذهبًا وفضة، فإن رضيت" ذلك "فعلت، فإن شئت نبيًّا ملكًا، وإن شئت نبيًّا عبدًا، فأومأ إليه جبريل" لما استشاره "أن تواضع، فقال: "بل نبيًّا عبدًا" قالها "ثلاثًا".
"رواه الطبراني بإسناد حسن" كما قال المنذري وغيره، ولا يعارضه قوله -صلى الله عليه وسلم- أتيت بمقاليد الدنيا على فرس أبلق، جاءني به جبريل، رواه أحمد برجال الصحيح، وصحَّحه ابن حبان عن جابر؛ لأن هذا بعد ذاك للإشارة إلى ما ستملكه أمته من بعده، "فانظر إلى همته العلية -صلى الله عليه وسلم- كيف عرضت عليه مفاتيح كنوز الأرض فأباها، ومعلوم أنه لو أخذها لأنفقها في طاعة ربه، فأبى ذلك" مع أن النبوة معطاة له على التقديرين، "فيا لها من همة شريفة رفيعة، ما أسناها ونفس زكية" بشد الياء "ما أبهاها" وقد عوَّضه الله بالتصرف في خزائن السماء، رد الشمس بعد غروبها، وشق القمر، ورجم النجوم، واختراق السموات، وحبس المطر وإرساله، وإرسال الريح وإمساكها، وغير ذلك "ولله در صاحب بردة المديح حيث قال: وروادته" طلب منه "الجبال الشم" بضم الشين، المرتفعة "عن ذهب نفسه" ونسبة المراودة إليها مجاز، "فأراها" بفتحتين