وقال ابن القيم: هذا ثناء عليه بحسب مقتضى الحال الحاضر، لا تفضيل له على غيره كما ظنه بعضهم، قال: وسبب الحديث أنه دخل على أهله يومًا فقدَّموا له خبزًا فقال: "ما من أدم؟" فقالوا: ما عندنا إلا خل، فقال: "نعم الأدم الخل". كما تقدَّم، والمقصود أن أكل الخبز مع الأدم من أسباب حفظ الصحة بخلاف الاقتصار على أحدهما، وسمي الأدم أدمًا لإصلاحه الخبز وجعله ملائمًا لحفظ الصحة، وليس في هذا تفضيل له على اللحم واللبن والعسل والمرق، ولو حضر لحم أو لبن لكان أولى بالمدح منه، فقال هذا جبرًا وتطييبًا لقلب من قدمه له، لا تفضيلًا له على سائر أنواع الأدام.
وكان -عليه الصلاة والسلام- يأكل من فاكهة بلده.................
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في الأدم مدح الاقتصاد، واستفادة هذين من الحديث أولى من اقتصار القاضي، كالخطابي على الثاني؛ ومن اعتراض النووي عليهما، بأن الحديث إنما يفيد الأول والثاني، معلوم من قواعد أخر، قال شيخنا في حواشيه: وهو ظاهر من حيث أنه يمكن حمل اللفظ عليه، والنووي إنما أراد ما يدل عليه المقام؛ إذ لم يكن ثَمَّ أنواع متعددة اختار منها الخل، مقدمًا له على باقيها, "وقال ابن القيم: هذا ثناء عليه، بحسب" بموحدة، وهي ظاهرة وفي نسخة بالنون، أي: بحسن "مقتضى الحال الحاضر" لتيسره دون غيره، يعني أن المتيسر حقيقي؛ بأن يوصف بالحسن ذلك الوقت، لا لأنه نفيس في ذاته، "لا تفضيل له على غيره، كما ظنه بعضهم"؛ إذ المدح إنما يقتضي تفضيله في نفسه لا على غيره، ألا ترى حديث: "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها" مع أن الوتر أفضل منهما، "قال وسبب الحديث" يدل على ذلك، وهو "أنه دخل على أهله يومًا، فقدموا له خبزًا، فقال: "ما" عندكم شيء "من أدم"؟، فقالوا: ما عندنا إلا خل، "نعم الأدم الخل"، كما تقدم" من رواية مسلم.
"والمقصود إن أكل الخبز مع الأدم من أسباب حفظ الصحة، بخلاف الاقتصار على أحدهما، فقد يتولد منه أمراض وسمي الأدم" أي: ما صدق عليه من تمر وغيره، "أدمًا لإصلاحه الخبز، وجعله ملائمًا لحفظ الصحة، وليس في هذا تفضيل له" للخل "على اللحم، واللبن والعسل والمرق، ولو حضر لحم أو لبن لكان أولى بالمدح منه، فقال هذا جبرًا وتطييبًا لقلب من قدَّمه له" سواء التي سألها، فقالت: إلا خل، أو غيرها، "لا تفضيلًا له على سائر" أي: باقي "أنواع الأدام" فلا ينافي أحاديث مدح اللحم والثريد وغيرهما، "وكان -عليه الصلاة والسلام- يأكل من فاكهة بلده" أي: ما يتحدَّد منها كخوخ ورمان في أوانهما، لا بمعناها اللغوي، وهو ما