First Previous Next Last

‏وروى ابن ماجه أنه -صلى الله عليه وسلم- نهى أن يأكل الرجل وهو منبطح على وجهه.
‏وقد فسَّر القاضي عياض في الشفاء الاتكاء بالتمكُّن للأكل والتقعد للجلوس له كالمتربع, وشبهه من تمكن الجلسات التي يعتمد فيها الجالس على ما تحته. والجالس على هذه الهيئة يستدعي الأكل ويستكثر منه. والنبي -صلى الله عليه وسلم- إنما كان جلوسه للأكل جلوس المستوفز مقعيًا. وليس معنى الحديث في الاتكاء الميل.................

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
‏متكئًا بعد ذلك، فما فى مسلم، عن أنس: أتي النبي -صلى الله عليه وسلم- بتمر، ‏فرأيته يأكل متكئًا، ليس المراد به حقيقة الاتكاء؛ بل الاحتفاز لروايه مسلم، عنه أيضًا: أتي -صلى الله عليه وسلم- بتمر هديه، فجعل يقسمه، وهو متحفز يأكل منه ذريعًا. قال في النهاية: وهو محتفز، أي: مستعجل، مستوفر يريد القيام، وحديث وائلة عند الطبراني لما افتتح خيبر، جعلت مائدة، فأكل متكئًا. ضعيف؛ لأن بقية بن الولد يدلس أشد التدليس، وهو النسوبة، وقد رواه بالعنعنة، عن عمرو الشامي، وهو أبو حفص الدمشقي، متروك, كما في التقريب، فقصر من قال لم يعلم حاله، وكيف يتوهم أن أنسًا رآه يأكل متكئًا حقيقة، أو أنه أكل بعد فتح خيبر متكئًا، وفتحها، واجتماع أنس به إنما كان بعد النفي بمدة؛ إذ قد كان بمكة لتصريحه في الحديث المار قريبًا، بأنه لم يكن متكئًا بعد تخييره بين العبودية والملك، وهو كان بمكة على الصفا قبل الهجرة، وبهذا علم أن الأحايث المقتضية للزيادة على المرة صحيحها، وهو ما في مسلم قابل للتأويل، وغيرها كذلك على تقدير الصحة، وإلّا فلا عبرة به، ومن ثَمَّ لم يعرج الصنف تبعًا للحفاظ، على ما زاد عليها.
"وروى ابن ماجه: أنه -صلى الله عليه وسلم- نهى أن يأكل الرجل،" وصف أغلبي، "وهو منبطح،" أي: ملقى "على وجهه،" لإنه مضر، "وقد فسَّر القاضي عياض في الشفاء الاتكاء" في الحديث "بالتمكن للأكل والتقعدد،" تفعلل من القعود، أي: التثبت والتمكن منه؛ واعترض بأنه لم يوجد من هذه المادة تفعلل، ورد بأن عياضًا ثقة، فما يقوله بمنزلة ما يرويه، "للجلوس له كالمتربع،" نوع الجلوس من جعل الشيء أرباعًا، لبسط أربعة من أعضائه، الساقين والوركين مع انضمامهما على الصفة المعلومة، "وشبهه من تمكن الجلسات التي يعتمد فيها الجالس على ما تحته" من أرض وفراش ونحوه، على ظاهر عمومه، "والجالس على هذه الهيئة يستدعي الأكل،" أي: يطلبه ويرغب فيه، "ويستكثر منه،" أي: يكثر منه كثرته مفرطة، متجاوزة حد الاعتدال، حتى كأنه يطلبه من نفسه، لإقباله عليه، وقوة شهوته لغلبة حيوانيته، "والنبي -صلى الله عليه وسلم" لإعراضه عن مثله، وتناوله مقدارًا ضروريًّا بسرعة، "إنما كان جلوسه للأكل جلوس المستوفز،" المستعجل للقيام‏، "مقعيًا" بين به صفة الاستيفاز؛ لأنه يكون مع الإقعاء تارة، وبدونه أخرى، "وليس معنى الحديث في الاتكاء