وروى مسلم من حديث عمرو بن حريث قال: رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- على المنبر وعليه عمامة سوداء قد أرخى طرفها بين كتفيه, وعنده أيضًا عن جابر: دخل مكة وعليه عمامة سوداء، ولم يذكر قد أرخى طرفها بين كتفيه, وعنده أيضًا: دخل مكة وعليه عمامة سوداء ولم يذكر فيه ذؤابه، فدل على أنه لم يكن يرخيها دائمًا بين كتفيه.
لكن قد يقال: إن دخول مكة كان وعليه أهبة القتال والمغفر على رأسه، فلبس في كل مواطن ما يناسبه،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على طرف العمامة، وهو المراد هنا.
قال الحافظ العراقي: وهذا الحديث يقتضي أن الذي كان يرسله "بين كتفيه" من الطرف الأعلى" وروى مسلم من حديث عمرو بن حريث، قال: رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- على المنبر، في غير يوم الفتح؛ إذ خطبة يومه كانت عند باب الكعة، ولم ينقل أن هناك منبرًا، "وعليه عمامة سوداء قد أرخى طرفها" قال عياض: بالإفراد لا التثنية، كما وقع في بعض النسخ، وقال القرطبي شارحًا لهذه النسخة: يعني بها الأعلى والأسفل بين كتفيه", ورواه الأربعة أصحاب السنن بدون قوله: قد أرخى. .... إلخ، كما مر، "وعنده" أي: مسلم "أيضًا عن جابر: دخل مكة وعليه عمامة سوداء، ولم يذكر قد أرخى طرفها بين كتفيه، وعنده أيضًا: دخل مكة وعليه عمامة سوداء، ولم يذكر فيه ذؤابة، فدلَّ على أنه لم يكن يرخيها دائمًا بين كتفيه، بل تارة تارة, جمعًا بين مختلف الأحاديث، لكن قد يقال: إن دخول مكة كان وعليه أهبة القتال المغفر على رأسه، فلبس في كل موطن ما يناسبه، فلا تعارض أيضًا، كذا قاله ابن القيم، وتعقَّبه الشامي، بأنه لم يستحضر أن النسائي رواه, وزاد: قد أرخرى طرف العذبة بين كتفيه.
وذكر صاحب القاموس في شرح البخاري: كان له -صلى الله عليه وسلم- عذبة طويلة نازلة بين كتفيه, وتارة على كتفه، وإنه ما فارق العذبة قط، وقال: "خالفوا اليهود، ولا تصمموا فإن تصميم العمائم من زي أهل الكتاب"، وإنه قال: "أعوذ بالله من عمامة صماء".
قال الحافظ السيوطي في فتاويه: لم أر قوله طويلة، لكن يمكن أخذه من أحاديث إرخائها بين الكتفين وقوله: تارة على كتفه، لم أقف عليه من لبسه، لكن من إلباسه وأما حديث: "خالفوا اليهود" إلخ، وحديث "أعوذ بالله".... إلخ، فلا أصل لهما، ثم مفاد الأحاديث أن العذبة من السنة، لأن سنية إرسالها إذا أخذت من فعله، فأولى سنية، أصلها "و" كونها بين الكتفين؛ لأن حديثه صحيح أفضل منه على الأيمن لضعف حديثه.
قال السيوطي: من علم أن العذبة سنة، وتركها استنكافًا أثم، وغير مستنكف فلا.