يومئذ تقول الحمد لله الذي أغنانا بما عمَّا أفقر نفسه من همه دنياه. فلما طال الأمد وقست القلوب بنسيان ذلك المعنى، واتخذ الغافلون رثاثة الأطمار وبذاذة الهيئة حيلة على جلب دنياهم انعكس الأمر، فصار مخالفة هؤلاء في ذلك لله هو قول السلف وطريقتهم كما تقدَّم.
قال: وقد أرشد الأستاذ أبو الحسن الشاذلي -قدس الله سره العزيز- إلى ذلك بقول لبعض من أنكر عليه جمال هيئته من أصحاب الرثاثة: يا هذا هيئتي هذه تقول: الحمد الله، وهيئتك هذه تقول: أعطوني شيئًا من دنياكم.
والقوم أفعالهم دائرة مع الحكمة الربانية مرادهم رضا ربهم ................
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الخلقة "يومئذ تقول: الحمد لله الذي أغنانا به، "أي: الله من الشغل بما هو سبب للسعادة الأبدية دون التفات لما في أيدي الناس مما عظموه وقدموه على ما سبب لذلك، "عَمَّا أفقر" أحوج "نفسه" إليه من فاعر أبقر "همه" اهتمامه "دنياه" أي: تحصيلها، فالراغب فيها يجعلها نصب عينه ويشتغل بها، فتلهيه على الطاعات، "فلمَّا طال الأمد" الزمن "وقست القلوب" لم تكن لذكر الله "بنسيان ذلك المعنى، واتخذ الغافلون رثاثة الأطمار، وبذاذة الهيئة حيلة على جلب دنياهم، انعكس الأمر، " أي: أن رثاثة الهيئة كانت سببًا للوصول إلى الحق، بالإعراض عن الدنيا، فصارت سببًا للهلاك بالوقوع في المعاصي، بالتحيل على أكل المال بالباطل، "فصار مخالفة هؤلاء في ذلك لله هو قول السلف وطريقتهم، كما تقدم".
قال" سيدي على: "وقد أرشد الأستاذ أبوا لحسن الشاذلي" بذال معجمة ومهملة، نسبة إلى شاذلة: قرية بأفريقية، الشريف تقي الدين علي بن عبد الله بن عبد الجبار، شيخ الطائفة، من ذرية محمد بن الحنفية.
قال ابن دقيق العيد: ما رأيت أعرف بالله من الشاذلي، وقال ابن عطاء الله: نشأ بالغرب الأقصى، ومبدأ ظهوره بشاذلة، ولم يدخل في طريق الله حتى كان يعد للمناظرة في العلوم الظاهرة وعلوم جمة، وجاء في الطريق بالعجب العجاب، وكان العز بن عبد السلام يحضر مجلسه، مات في ذي القعدة سنة ست وخمسين وستمائة بصحراء عيذاب متوجهًا إلى مكة ودفن هناك -قدَّس الله سره العزيز- إلى ذلك بقوله لبعض من أنكر عليه جمال هيئته من أصحاب الرثاثة، متشبثًا بأنها سيرة السلف: "يا هذا هيئتي هذه تقول: الحمد لله" الذي أغناني عن الناس والالتفات لما في أيديهم، "وهيئتك هذه تقول: أعطوني شيئًا من دنياكم" أصلح به رثاثتي، والقوم أفعالهم دائرة مع الحكمة الربانية، مرادهم رضا ربهم؛ إذ الحكم يدور مع