قال: ومن ههنا كرهه جماعة من السلف والخلف، لما روى أبو داود والحاكم في المستدرك عن ابن عمر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "من تشبَّه بقوم فهو منهم", وفي الترمذي: "ليس منَّا مَن تشبَّه بغيرنا", وأما ما جاء في حديث الهجرة أنه -صلى الله عليه وسلم- جاء إلى أبي بكر -رضي الله عنه- متقنعًا بالهاجرة، فإنما فعله -صلى الله عليه وسلم- تلك الساعة ليختفي بذلك للحاجة, ولم يكن عادته التقنع. وقد ذكر أنس عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يكثر القناع .................
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على عادته في التحليل على الحافظ، فمطلق التشبيه لا يستلزم الكراهة للاحتمال الذي استظهره أنه تشبيه في مطلق المخالفة للناس، وأما إنكاره القول الذي حكاه، بأنه لا ألوانها, فمن قصوره أو مكابرة، فمن حفظ حجة، وأما حديث أم سلمة، فهو لبيان أن نهيه عن التزعفر للكراهة، لا للتحريم.
"قال" ابن القيم: "ومن ههنا كرهه جماعة من السلف والخلف، لما روى أبو داود والحاكم في المستدرك" بإسناد فيه مقال: لكن قال في الفتح: سنده حسن، "عن ابن عمر، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "من تَشَبَّه بقوم" أي: تزيَّا في ظاهره بزيهم، وفي تعرفه بفعلهم، وفي تخلقه بخلقهم، وسار بسيرتهم وهديهم في ملبسهم وبعض أفعالهم، أي: والتشبه حق طابق فيه الباطن الظاهر، "فهو منهم" وقيل: معناه من تشبه بالصالحين وهو من أتباعهم، أكرم كما يكرمون ومن تشبه بالفساق يهان ويخذل.
قال القرطبي: لو خص أهل الفسق والمجون بلباس منع لبسه لغيرهم، فقد يظن به من لا يعرفه أنه منهم، فيظن به ظن السوء فيأثم الظان والمظنون فيه بسبب العون عليه، وعلى التفسير الأول: فالقصد منه الزجر والتنفير لا حقيقة ذلك؛ إذ التزيي بزي الكفار حرام، لإرادة إن لم يذهب بنحو الزنار للكنيسة.
"وفي الترمذي" وضعَّفه، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، رفعه: "ليس منا" أي من العاملين بهدينا والجارين على منهاج سنتنا "من تشبه بغيرنا" في نحو ملبس وهيئة ومأكل ومشرب وكلام وترهب وتبتل، ونحو ذلك.
"وأما ما جاء في حديث الهجرة" في الصحيح "أنه -صلى الله عليه وسلم- جاء إلى أبي بكر -رضي الله عنه- متقنعًا" قال الحافظ: أي : مطيلسًا رأسه، وهو أصل في لبس الطيلسان بالهاجرة" أي: في الهاجرة, فإنما فعله -صلى الله عليه وسلم- تلك الساعة ليختفي بذلك للحاجة, ولم يكن عادته التقنع, أي: تغطية الرأس وأكثر الوجه برداء أو غيره.
"وقد ذكر أنس" فيما رواه الترمذي في الشمائل، والبيهقي عن أنس، "عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يكثر القناع، أي: استعماله؛ إذ هو بكسر القاف أوسع من المقنعة، والمراد تغطية الرأس وأكثر