First Previous Next Last

وإنا قوم أخرت لنا طيباتنا في آخرتنا".
وعن عائشة -رضي الله عنهما، كان لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- سرير مرمل بالبَرْدي، وعليه كساء أسود، وقد حشوناه بالبردي، فدخل أبو بكر وعمر عليه, فإذا النبي -صلى الله عليه وسلم- نائم عليه، فلمَّا رآهما استوى جالسًا، فنظرا فإذا أثر السرير في جنب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالا: يا رسول الله, ما يؤذيك خشونة ما نرى من فراشك وسريرك، وهذا كسرى وقيصر على فرش الديباج والحرير, فقال -عليه الصلاة والسلام: "لا تقولا هذا، فإن فراشي كسرى وقيصر في النار، وإن فراشي وسريري هذا عاقبته إلى الجنة".......

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"وإنا قوم أخِّرت لنا طيباتنا في آخرتنا" إضافة الآخرة لهم؛ لأنهم المنتفعون بها، حتى كأنها منسوبة لهم، لا لغيرهم، وفي رواية للشيخين: "أولئك قوم عجِّلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا"، فقلت: استغفر لي يا رسول الله.
قال النووي: في شرح مسلم: وهذا يحتج به من يفضل الفقر على الغنى لما في مفهومه أنه بمقدار ما يتعجله من طيبات الدنيا يفوته من ادخار الأجر له في الآخرة، وقد يتأوَّله الآخرون، بأن المراد أن حظ هؤلاء من النعيم ما تعجَّلوه في الدنيا، ولا حظ لهم في الآخرة لكفرهم.
"وعن عائشة -رضي الله عنها: كان لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- سرير مرمل" بضم الميم، وفتح الراء، وشد الميم، "بالبردي" بفتح فسكون: نبات يعمل منه الحصر على لفظ المنسوب إلى البرد، كما في المصباح، فالمعنى: أن قوائم السرير موصولة، مغطاة لما نسج من ذلك النبات، وفي حديث عمر في الصحيح: فإذا هو مضطجع على رمال حصير، قال المصنّف: بكسر الراء وتضم، أي: سرير مرمول بما يرمل به الحصير، أي: ينسج، ورمال الحصير ضلوعه المتداخلة فيه، كالخيوط في الثوب، "وعليه" أي: السرير، "كساء أسود وقد حشوناه بالبردي، فدخل أبو بكر وعمر عليه، فإذا النبي -صلى الله عليه وسلم- نائم عليه، فلما رأهما استوى جالسًا" إكرامًا لهما، فنظرا فإذا أثر السرير في جنب رسول الله -صلى الله عليه وسلم، فقالا: يا رسول الله! ما يؤذيك" بحذف همزة الاستفهام تخفيفًا، أي: أما يؤذيك "خشونة ما نرى من فراشك وسريرك، وهذا كسرى وقيصر، أتي بالإشارة لتحقق كونهما "على فرش الديباج والحرير" حتى كأنهما مشاهدان، يشار إليهما، "فقال -عليه الصلاة والسلام: "لا تقولا هذا، فإن فراشي كسرى وقيصر في النار" كناية عن عذابهما وحقارتهما بجعل النار ظرفًا لفراشهما، محيطة به، "وإن فراشي وسريري هذه عاقبته إلى الجنة" لم يقل في الجنة على نمط ما قبله، إشارة إلى تصرفه فيها