ومثله الماء الهارب في الحمام؛ لاطراد العادة بالبول فيه1.
الثاني: أن تكثر أسباب الظاهر، فإن ندرت لم ينظر إليه قطعًا؛ ولهذا اتفق الأصحاب على أنه إذا تيقَّن الطهارة وغلب على ظنِّه الحدث، كان له الأخذ بالوضوء2، ولم يجروا فيه القولين فيما يغلب على الظنِّ نجاسته هل يحكم بنجاسته3؟
قال الإمام: وفرق شيخي بينهما بأنَّ الاجتهاد يتطرق إلى تمييز الطاهر من النجس؛ لأن للنجاسات أمارات بخلاف الحدث، ورده الإمام بأن أصل الشافعي في تمييز دم الحيض عن دم الاستحاضة بالصفات معلوم، وهذا اجتهاد، وقد أثبت الشرع للمني صفات، وفائدة ذكرها التمسك بها، فإطلاق القول بأن الاجتهاد لا يتطرق إلى الأحداث غير سديد، ثم حاول الفرق بما حاصله أنَّ الأسباب التي تظهر بها النجاسة كثيرة جدًّا، وهي قليلة في الأحداث، ولا أثر للنادر، والتمسك باستصحاب اليقين أولى.
الثالث: أن لا يكون مع أحدهما ما يعتضد به، فإن كان فالعمل بالترجيح متعين.
قال النووي: وقول الأصحاب، من قال: إن كلَّ مسألة تعارَضَ فيها أصلان، أو أصل وظاهر، ففيها قولان ليس على ظاهره، ولم يريدوا حقيقة الإطلاق، فإن لنا مسائل يعمل فيها بالظاهر بالإجماع، ولا ينظر فيها إلى أصل براءة الذمة كمسألة بول الحيوان، ومسائل يعمل فيها بالأصل قطعًا كمن ظنَّ أنه أحدث، أو طلق، أو أعتق، أو صلى ثلاثًا أو أربعًا، فإنه يعمل فيها كلها بالأصل، وهو البناء على الطهارة، وعدم الطلاق والعتق والركعة الرابعة.
فالصواب في الضابط ما قاله الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: إنه عند تعارضهما يجب النظر في الترجيح كما في تعارض الدليلين، فإن تردد في الراجح فهي مسائل القولين، وإن ترجح دليل الظاهر عمل به، أو دليل الأصل عمل به4.
وقال ابن الرفعة: محل الخلاف في تقابل الأصلين أو الأصل والظاهر ما إذا لم يكن مع أحدهما ما يعتضد به، فإن كان فالعمل بالمرجح متعيِّن، ويدل على ذلك من كلام الغزالي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 نقله السيوطي عن المصنف في الأشباه والنظائر "1/ 64".
2 انظر: الأشباه والنظائر "1/ 51".
3 انظر: الأشباه والنظائر "1/ 65".
4 انظر: المجموع شرح المهذب "1/ 206".