أحدهما: قوله في كتاب العتق، فيما إذا اختلفا في قيمة العبد وقد مات: فادَّعى المعتق نقص القيمة بسبب نقيصة طارئة، فالأصل عدم النقص، والأصل براءة الذمة، فيخرج على تقابل الأصلين، وليس معنى تقابل الأصلين استحالة الترجيح، بل يطلب الترجيح من مدرك آخر سوى استصحاب الأصول، فإن تعذر فليس إلّا التوقف، أمّا تخيير المعنى بين متناقضين فلا وجه له.
قلت: قد حكاه الماوردي وجهًا1.
الثاني: قوله في كتاب الرهن: إذا أذن المرتهن للراهن في بيع الرهن، فباع الراهن ورجع المرتهن، فادعى أنه رجع قبل بيعه، فالأظهر أن القول قوله؛ لأن أصل عدم الرجوع يعارضه أن الأصل عدم البيع، فيبقى أنَّ الأصل استمرار الرهن، وبسط ذلك أن أحد الأصلين عارضه الأصل الآخر فتعطل، وبقي أصل آخر خاليًا من المعارضة فيُعْمَل به2.
والأَوْلَى أن يقال: إذا اجتمع في جانب أصلان أو أصل وظاهر، وفي جانب آخر أصل أو ظاهر فقط، لا تعارض؛ لأن شرطه التساوي، ولا تساوي، ولكن يعمل بالراجح؛ إذ العمل به متيقن شرعًا وعقلًا.
وبالجملة فكلٌّ من الأمرين قول الشافعي، فإنه ذكر فيما إذا تعارضت بينة الخارج والداخل تساقطتا، وبقيت اليد خالية عن المعارضة فعمل بها، كما لو لم تكن بينة أصلًا، فيه قولان يظهر أثرهما في احتياج الداخل إلى اليمين، فعلى الأول لا يحتاج، وعلى الثاني يحتاج.
واعلم أن الضابط أنه إن كان الظاهر حجة يجب قبولها شرعًا، كالشهادة والرواية والإخبار، فهو مقدَّم على الأصل قطعًا، وإن لم يكن كذلك، بل كان سنده العرف أو القرائن أو غلبة الظن، فهذه يتفاوت أمرها، فتارة يعمل بالأصل، وتارة يعمل بالظاهر، وتارة يخرج خلاف، فهذه أربعة أقسام3:
الأول: ما قطعوا فيه بالظاهر كالبينة، فإن الأصل براءة ذمة المشهود عليه، ومع ذلك يلزمه المال المشهود به قطعًا4.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 انظر: الحاوي الكبير للماوردي "18/ 30".
2 انظر: مغني المحتاج "2/ 144".
3 انظر: الأشباه والنظائر "1/ 64".
4 انظر: الأشباه والنظائر "1/ 64".