ومنه: رأى حيوانًا يبول في ماء، ثم جاء فوجده متغيرًا، فإنه يحكم بنجاسته، وإن احتمل تغيره بطول مكث، أو بسبب آخر نص عليه. فأسند التغير إليه، مع أن الأصل طهارته، لكنه بعد التغير احتمل أن يكون بالمكث، وأن يكون بذلك البول، وإحالته على البول المتيقن أولى من إحالته على طول المكث، فإنه مظنون، فقدم الظاهر على الأصل، وتابعه الجمهور، وقيل: إن كان عهده عن قرب غير متغير فنجس، وإلا فطاهر، ولو ذهب عقب البول فلم يجده متغيرًا، ثم عاد في زمن آخر فوجده متغيرًا، قال الأصحاب: لا يحكم بنجاسته1. وقال الدارمي: يحكم.
ومنه: لو قطع لسان صبي حين ولد، ولم تظهر أمارات لصحة لسانه، قال الرافعي: قطع الأصحاب بأن فيه الدية، مع أن الأصل براءة الذمة، ولم يعارضه شيء، وعكس الإمام فقال: اتفقوا على أن الدية لا تجب2.
ومنه: لو وكل بتزويج ابنته، ثم مات الموكل ولم يعلم هل مات قبل العقد أو بعده، فالأصل عدم النكاح، والأظهر بقاء الحياة، قال القاضي الحسين في فتاويه: والأصح أن العقد صحيح؛ لأن الظاهر بقاء الحياة، وخالفه الروياني في البحر، فقال: الأصح عندي أنه لا يصح؛ لأن الأصل التحريم، فلا يستباح بالشك3.
ومنه: إذا رأت المرأة الدم لوقت يجوز أن يكون حيضًا أمسكت عمَّا تمسك عنه الحائض؛ لأن الظاهر أنه حيض، وقيل: لا يجب الإمساك عملًا بالأصل، بل تصلي مع رؤية الدم، فإن انقطع لدون يوم وليلة أجزأها ما صلت، وإن دام تركت؛ لأنه يجوز أن يكون دم حيض، وأن يكون دم فساد، فلا يجوز ترك الصلاة بالشك4، واقتضى كلام الماوردي أنَّ الخلاف مخصوص بالمبتدأة، وأن المعتادة تترك بمجرد رؤية الدم قطعًا، وهو ظاهر5، والظاهر أنَّه وجه مفصل، كما سنذكره بعد.
ومثله الخلاف في انقضاء العدة، هل يحصل بالطعن في الحيضة الرابعة، أو لا بد من مضيّ يوم وليلة، أو يفرق بين أن تكون معتادة أو غيرها6. وكذا لو قال: إن حضت
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 انظر: روضة الطالبين "1/ 38".
2 انظر: روضة الطالبين "9/ 275".
3 انظر: الأشباه والنظائر "1/ 67".
4 انظر: الأشباه والنظائر "1/ 68".
5 انظر: الحاوي الكبير للماوردي "1/ 389".
6 انظر: نهاية المحتاج "7/ 129".