ومنه: لو أسلم في لحم، فأتاه به على صفات السلم، فقال المسلم: هذا لحم ميتة لا يلزمني قبوله، وقال المسلم إليه: بل مذكى، فعليك قبوله، فالمصدق المسلم قطع1 به الزبيري في المسكت، والعبادي في أدب القضاء، والهروي في الإشراف، قال العبادي: لأن اللحم في حال حياة الحيوان محرم الأكل، والأصل بقاء تحريمه حتى تتحقق الذكاة الشرعية.
قلت: ينبغي أن يكون على القولين؛ لأن الظاهر من حال المسلم أنه لا يحمل لحم ميتة، ويدعي طهارته، ويؤيده ما سيأتي في مسألة اللحم الملقى في المكتل أو خرقة ببلد المسلمين2، بل أولى، وقد قالوا في المكاتب: إذا أتى سيده بمال، فقال السيد: هذا حرام، فالمصدق المكاتب بيمينه أنه حلال، ويقال للسيد: إما أن تأخذه أو تبريه3، ومنه ما ذكره في الإحياء، ولو وكل شخصًا في شراء جارية ووصفها، فاشتراها الوكيل بالصفة المذكورة، ومات الوكيل قبل أن يسلمها للموكل، لم يحل للموكل وطؤها؛ لاحتمال أنه اشتراها لنفسه، وتوجيه ما ذكره أنَّ شراء الوكيل الجارية بالصفات الموكل بها ظاهر في الحِلِّ، ولكن الأصل التحريم فغَلَّبْنَاه.
ومنه: لو أسلم الكافر وصلى خلفه رجل، فلما فرغ من الصلاة قال الإمام: جحدت
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 قال الشمس الرملي: قاله جمع متقدمون استصحابًا لأصل الحرمة في الحياة حتى يتيقن الحل بالذكاة الشرعية، وظاهر في محله إن سلم ما لم يقل المسلم إليه: أنا ذبحته، أخذًا من قولهم: لو وجدت شاة مذبوحة فقال ذمي: ذبحتها، حلَّت. انظر: نهاية المحتاج "4/ 216".
2 انظر: نهاية المحتاج "4/ 216".
3 قال الرافعي: إن أقام بينة بذلك لم يجبر على قبوله، وتسمع منه هذه البينة؛ لأن في إقامتها غرضًا ظاهرًا وهو الامتناع عن الحرام، هكذا أطلقه كثيرون، وقال الصيدلاني: إنما تقبل البينة إذا لم يعين، فلا تتصور البينة للمجهول، ولا معنى لقولهم: إنه مقصور، والصحيح الأول، وإن لم يكن بينة فالقول قول المكاتب بيمينه أنه له لظاهر اليد، فإن نكل حلف السيد، وكان كإقامة البينة في وجه لا يحتاج السيد إلى بينة, والصحيح الأول، ولا تثبت بينة السيد في حق المالك الذي عينه، ولا يسقط بحلف المكاتب حقه، ثم إذا حلف المكاتب فالمذهب أنه يجبر السيد على قبوله، أو إبرائه عن ذلك القدر، فإن امتنع منهما أخذ الحاكم تلك النجوم، وعتق المكاتب.
وقيل: في إجباره على الأخذ قولان، ثم إذا أخذه السيد نظر إن عين له مالكًا أمر بتسليمه إليه بلا خلاف، هو مؤاخذة له باعترافه وإن لم يقبل قوله على المكاتب.
وإن لم يعين مالك بل اقتصر على قوله: هو مغصوب أو مسروق أو حرام، فوجهان: أحدهما ينتزعه الحاكم ويحفظه في بيت المال إلى أن يظهر مالكه، وأصحهما لا يتنزعه؛ لأنه لم يقر لمعين. انظر: روضة الطالبين "12/ 252".