ومنها: لو اختلطت تمرة حلال بتمر كثير حرام، أو صيد مباح بصيد كثير مملوك، فإنه يحرم الأكل من التمر والصيد، كما قاله الشيخ عز الدين في القواعد؛ لغلبة الحرام، وندور الحلال، فإن كثر الحلال والحرام عند إنسان، فالبيع منه وأكل ماله جائز، ولو كان أكثر ماله حرامًا جازت معاملته أيضًا مع الكراهة، كذا قطعوا1 به مع حكايتهم قولين: في غلبة ظنّ النجاسة، وجزموا عند ظن الحرام الكثير بجواز المعاملة، والقياس: إما التسوية وإما المنع منها؛ لتعلق حق الله تعالى بها وحق الآدمي، وقال الإمام: إنما لم يجروا هنا القولين؛ لأنا صادفنا أصلًا مرجوعًا إليه في الأملاك، وهو اليد فاعتمدناه، بخلاف النجاسة، فإنَّا لم نجد أصلًا يعارض غلبة الظن إلا استصحاب الطهارة.
قلت: وما ذكره الإمام من الاعتماد على اليد في المعاملة يعارضه الاعتماد على الأصل، وهو الطهارة؛ ولهذا قال الشيخ نجم الدين البالسي: ينبغي تخريج المسألة على الأصل والغالب، حتى لو باع من أكثر ماله حرام، لا يحل له أن يقبض منه الثمن حتى يذكر جهته، وكذلك في طعامه لو قدمه له ضيافة.
قلت: قد قال به الغزالي في الضيافة، فقال في الوليمة: إذا كان الداعي إليها في ماله شبهة لم تجب الإجابة، ولولا اعتبار ذلك لما سقط عنه الواجب2.
ومنها: لو توضأ من بئر فيها دون قلتين، ثم صلى، ثم جاء فوجد في البئر فأرة، فإنه لا يعيد الصلاة؛ لاحتمال وقوعها بعد الوضوء.
ومنها: لو صلى ورأى بعد الصلاة في ثوبه نجاسة، احتمل وقوعها بعد سلامه من الصلاة، لم يُعِد3، ولو وجد في ثوبه منيًّا ولم يدر متى حصل له، قال الأصحاب: يعيد الصلاة من آخر نومة نامها في ذلك الثوب4.
ومنها: لو شكَّ في صلاة يوم من الأيام الماضية، هل صلاها أم لا، قال الروياني: إن كان مع بعد الزمان لم يعد؛ لأنَّ الإنسان لا يقدر على ضبط ما وقع منه في الماضي، ويعسر عليه تذكره، وإن كان مع قرب الزمان كمن شكَّ في آخر الأسبوع في صلاة يوم من أوله وجبت الإعادة، قال بعضهم: وينبغي حمل كلام الروياني على من كانت
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 انظر الأشباه والنظائر "1/ 106".
2 انظر: إحياء علوم الدين للإمام الغزلي "2/ 15".
3 انظر: الأشباه والنظائر "1/ 74".
4 انظر: الأشباه والنظائر "1/ 74".