وهذا الفرع لا يعكر على مسألة الشعر، فإن الشعر في حالة الحياة طاهر منتفع به، فاستصحب له هذا الأصل، كما استصحب للحم أصل التحريم1.
وذكر الدارمي في الاستذكار أنَّا لو وجدنا جلدًا مدبوغًا، ولم ندر هل هو جلد كلب أو غيره، أو دريناه وشككنا في أنه دبغ أم لا، فوجهان، انتهى.
وينبغي أن يكون الأصل في المسألة الأخيرة النجاسة؛ لأنَّا إذا تحققنا أنه جلد ميتة وشككنا في دبغه، كان الأصل بقاء النجاسة، ولو تحققنا الدبغ وشككنا في آلته، فالظاهر الحكم بالطهارة؛ لأن الظاهر أنَّ الدبغ يقع بالأشياء الحريفة القالعة2.
الثاني: لو كان في جهة أصل وفي جهة أصلان، فمال ابن الرفعة إلى القطع بتقديم ذي الأصلين، وأنه لا يجري فيه الخلاف، ويشهد له ما لو شك هل رضع في حولين أو بعده، فلا تحريم في الأصح3، ولو شك هل رضع خمس رضعات أو أقل، فلا تحريم قطعًا.
وما ذاك إلّا لأنَّ للأولى أصلًا وهو الإباحة، فلا يزال بالشك والأصل بقاء الحولين4، بخلاف الثانية فلها أصل واحد وهو الإباحة، فلا يرفع بالشك فيه، لكن في إجراء هذا على الإطلاق نظر، بل الخلاف جار في ترجيح ذي الأصلين، أما الجزم فلا، ألا ترى إلى صور تعارض فيها أصلان مع أصل واحد، وجرى فيها الخلاف.
ومنها: إذن المرتهن في بيع المرهون فباعه الراهن، وادعى المرتِهن أنه رجع قبل بيعه، فالأصل عدم الرجوع، ويعارضه أصلان: عدم البيع واستمرار الرهن5 وقد سبقت.
ومنها: لو زاد المقتص في موضحة على حقه، لزمه قصاص الزيادة. هذا إذا لم يزد باضطراب الجاني، فلو زاد باضطرابه فلا غرم، ولو قال: تولدت الزيادة باضطرابك، فلا غرم، فأنكر، ففي المصدق وجهان، قال الرافعي: لأنَّ الأصل براءة الذمة، والأصل عدم الاضطراب.
قال ابن الرفعة: وكان ينبغي القطع بتصديق المشجوج؛ لأنه وجد في حقه أصلان،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 انظر: نهاية المحتاج "4/ 216".
2 انظر: المجموع شرح المهذب "1/ 242".
3 انظر: الأشباه والنظائر "1/ 70".
4 انظر: الأشباه والنظائر "1/ 70".
5 انظر: الأشباه والنظائر "1/ 70".