First Previous Next Last

إحداهما، بدليل حديث بول الأعرابي في المسجد لمّا نهاهم النبي -صلى الله عليه وسلم- عن زجره1، وأن يحصل أعظم المصلحتين بترك أخفهما إذا تعيِّنَ عدم إحداهما، قال: وأعني أن ذلك في الجملة، لا أنه عام مطلقًا حيث كان ووجد.
وقال الشيخ عز الدين: إذا تعارض مصلحتان حصلت العليا منهما بتفويت الدنيا.
قال: ويشكل عليه أنَّ الأمة أجمعت على أنَّ العدو لو نزل على بلد وخاف أهله من استئصالهم، وسألهم أن يعطوه مال فلان أو امرأته، أن ذلك حرام عليهم، مع أن مفسدة الواحد أخف من مفسدة الجميع.
وأجاب بأنَّ مصالح الشرع ومفاسده منها ما علم كسائر الأحكام المعللة، ومنها ما لم يعلم كالتعبدات، فهذا مما لم يعلم مفسدته، ويجب أن نعتقد أنَّ المفسدة التي قدمت على الاستئصال غير مفسدة مال فلان وزوجته عملًا بعادة الله تعالى مع عباده في شرائعه، نعم لو كان هذا الحكم ثبت بالاجتهاد كان مشكلًا؛ لأن الاجتهاد يعتمد المفاسد المعلومة دون المجهولة.
ومن فروعه: ما لو وجد مضطر ميتة وطعام غائب، والأصح أنه يأكل الميتة ويدع الطعام؛ لأن إباحة الميتة بالنصّ وطعام الغير بالاجتهاد2.
ولو اضطر المحرم ولم يجد إلّا صيدًا، فقيل: يأكل الصيد؛ لغلظ تحريم الميتة، والأصح يأكل الميتة؛ لأنه في الصيد يرتكب محظورين، وهما القتل والأكل3.
ومنها: الخلع في الحيض يجوز؛ لأنَّ إنقاذها منه مقدَّم على مفسدة تطويل العدة عليها4.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أخرجه البخاري في الوضوء "1/ 386" ح "220"، ومسلم في الطهارة "1/ 236" ح "98، 99/ 284"، وأبو داود في الطهارة "1/ 102" ح "381"، والإمام أحمد في مسنده "2/ 378". ح "7818".
2 والثاني: يأكل الطعام، الثالث: يتخير بينهما، وأشار الإمام إلى أن هذا الخلاف مأخوذ من الخلاف في اجتماع حق الله تعالى وحق الآدمي. انظر: روضة الطالبين "3/ 289".
3 وفي قول الصيد: وفي قولٍ أوجه يتخير، وقيل: يأكل الميتة قطعًا. انظر: روضة الطالبين "3/ 289".
4 لحاجتها إلى خلاصها بالمفارقة، حيث افتدى بالمال، وقد قال تعالى: {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} ويكون سنيًا ولإطلاق إذنه لثابت بن قيس في الخلع على مال من غير استفصال عن حال زوجته. انظر: نهاية المحتاج "7/ 4".