First Previous Next Last

وكذلك لو غرس بعده وهو عالم بفساد البيع، بخلاف ما لو كان جاهلًا، به جزم الرافعي وحكاه الإمام عن النص، وأشار إلى احتمال بخلافه؛ لأنَّ البائع سلطة، ويقرب منه ما لو باعه أرضًا بيعًا فاسدًا، ثم غرسها المشتري مع علمهما بفساد البيع، فهل يقلع مجانًا أو لا؟ لأنَّ البائع سلطة على الانتفاع؟ قال ابن أبي الدم: لا نقل عندي في هذه المسألة.
قلت: تعلم مما قبلها، وفي الحلية: غرس في الأرض المبيعة بيعًا فاسدًا، أو بنى، لم يكن للبائع قلع الغراس والبناء إلّا بشرط ضمان النقص، وله أن يبذل القيمة ويتملكها عليه، وقال أبو حنيفة -رحمه الله: ليس له استرجاع الأرض ولا أخذ قيمتها1، وكان أبو يوسف، ومحمد -رحمهما الله- ينقض البناء ويقلع الغراس ويرد الأرض على البائع2، قال الشاشي: وهذا أشبه بمذهبنا، والأول حكاه في الحاوي.
ومثله: لو نكح السفيه بغير إذن الولي لا يجب المهر، كما لو بيع منه شيء فأتلفه، واستشكله الرافعي من جهة أنَّ المهر حق للزوجة، وقد تزوج ولا شعور لها بحال الزوج، فكيف يبطل حقها3، وهذا بناه على تصوير المسألة بأعمِّ من علمها بحاله أم لا، وفيه خلاف تعرض له الماوردي4.
النظر الثاني: في كون الإقدام على العقد الفاسد حرامًا أم لا؟5 ليس مشهورًا في النقل، وكان الشيخ أبو محمد بن عبد السلام يبحث فيه، وتلقاه أصحابه عنه، وذكر ابن الرفعة في حاشية المطلب أنه سمع من الفقيه جمال الدين الوجيزي حكاية وجهين فيه، وكلام الشافعي في مواضع من الأم يقتضي التحريم، وفي التنبيه يحرم على المحرم أن يزوج غيره، فإن فعل فالعقد باطل6.
وقال ابن الرفعة: ما كان من العقود منهيًّا عنه فالإقدام عليه حرام، وما كان فساده بالاجتهاد فقد يقال: ليس بحرام، وإن كان المقدم عليه يرى فساده، والأغرب في هذه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 انظر: الهداية شرح بداية المبتدي "3/ 58".
2 انظر: الهداية شرح بداية المبتدي "3/ 58".
3 والثاني يجب مهر المثل، والثالث يجب أقل ما يتمول. انظر: روضة الطالبين "7/ 99".
4 انظر: الحاوي الكبير للماوردي "9/ 71".
5 جزم السيوطي بأنه حرام، وقال: "كما يؤخذ من كلام الأصحاب في عدة موضع". انظر: الأشباه والنظائر "1/ 287".
6 انظر: روضة الطالبين "7/ 67".