التعريض:
قال السكاكي في المفتاح: نوع من الكناية يكون مسوقًا لموصوف غير مذكور، كما يقال في عرض من يؤذي المؤمنين: المؤمن هو الذي يصلي ويزكي، ولا يؤذي أخاه المسلم، ويتوصل بذلك إلى نفي الإيمان عن المؤذي.
وقال في الكشاف: الفرق بين الكناية والتعريض أنَّ الكناية أنْ يذكر الشيء بغير لفظه الموضوع له، والتعريض أن يذكر شيئًا يدل به على شيء لم يذكره، كما يقول المحتاج للمحتاج إليه: جئتك لأسلم عليك ولأنظر إلى وجهك الكريم، فكأنه إمالة الكلام إلى غرض يدل على الغرض، ويسمَّى التلويح؛ لأنه يلوح منه ما يريده.
واعلم أنه يؤثر عندنا في الأحكام إلا في التعريض بالقذف؛ كقوله: يا ابن الحلال، وأما أنا فلست بزانٍ، فلا يوجب الحد عندنا، وإن نفاه1 خلافًا لمالك2.
قال ابن العربي: خالف في ذلك الشافعي ولا عذر له؛ لأنه عربي فصيح لم يخف عليه ما في الكناية من الإبهام.
قلت: إجماع الصحابة بأن عمر -رضي الله عنه- كان لا يوجبه، ولم يخالف فيه؛ ولأن المقصود بهذا اللفظ في حالة التخاصم مع الغير نسبة صاحبه إلى شيء، وتزكية نفسه لا قذفه، وهو وإن فُهِمَ منه القذف فهو بطريق المفهوم، وهو لا يكون حجة في كلام الآدميين؛ ولأنه لا إشعار للفظ به، وإنما يظن من خارج، والحدود يحتاط فيها، فلا يثبت موجبها إلّا باللفظ، ولهذا تسقط بالشبهة.
ومن فروعه: إنَّ التعريض بالهجو، قال القاضي الحسين: لا يكون هجوًا، قال الرافعي: ويشبه أن يكون هجوًا كالصريح، وقد يزيد بعض التعريض على التصريح.
ومنه: تعريض أهل البغي بسب الإمام لا يقتضي التعزير في الأصح، ومنها قال
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 لأنَّ النية إنما تؤثر إذا احتمل اللفظ المنوي، ولا دلالة له هنا في اللفظ ولا احتمال، وما يفهم منه مستدده قرائن الأحوال، هذا هو الصح، وقيل: هو كتابة لحصول الفهم والإيذاء، وبه قال الشيخ أبو حامد وجماعة، وسواء عندنا حالة الغضب وغيرها. انظر: روضة الطالبين "8/ 313".
2 قال القاضي عبد الوهاب في العونة ردًّا على أبي حنفية والشافعي: "دليلنا أنه لفظ يفهم منه القذف كالصريح إن كابروا، وقالوا: لا يفهم منه القذف، فقد أحالوا المسألة؛ لأنَّ الخلاف فيه إذا فهم منه ما يفهم من الصريح، فإذا أحالوا ذلك ارتفع الخلاف". المعونة للقاضي عبد الوهاب المالكي "3/ 1407".