فإنه الحسد بعينه، وقد أعلمنا الله تعالى ما في تمني زينة الدنيا وكثرة متاعها المطغي بقصة قارون ومن تمنَّى مثل ما أوتي قارون، حتى شهدوا المِنَّة في المنع لا في الإعطاء.
وقد ذكر الواحدي في البسيط، وابن فورك في مشكله، وغيرهما عن أكثر العلماء: إن التمني في قوله تعالى: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ} [النساء: 33] على التحريم؛ إذ ليس لأحد أن يقول: ليت مال فلان لي، وإنما ليت لي مثله، وحكوا عن الفراء أنَّ النهي للتنزيه وغلطوه؛ لأنَّ النهي لا ينصرف عن مقتضاه إلّا بقرينة.
وقال القاضي الحسين في كتاب الصوم من تعليقه: كما يحرم النظر إلى ما لا يحلّ له يحرم التفكُّر فيه بقلبه؛ لقوله تعالى: {لَا تَتَمَنَّوْا}. الآية، فمنع من التمني مما لا يحلّ، كما منع من النظر إلى ما لا يحلّ؛ لقوله تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} [النور: 30]، لكنَّ النظر يفسق به وترد به الشهادة، بخلاف الفكر؛ لأنه لا يظهر حتى لو أخبرنا به، كان قادحًا في شهادته.
الثاني: أن يتمنى مثل ما لغيره من غير تمني زوال نعمته عنه، فهذا غير منهي عنه، وعليه جاء قوله -صلى الله عليه وسلم: "لا حسد إلّا في اثنتين"1، فإنَّ المراد به الغبطة، ونَبَّه بالاستثناء على أنَّ ما يتمنَّى به كرامة الآخرة لا ينهى عنه.
الثالث: تمني فعل العبادات وإن شقت عليه، ولا شكَّ أنه مطلوب مثاب عليه، وفي صحيح مسلم: "من طلب الشهادة صادقًا أعطيها، ولو لم تصبه"2، وقد ثبت تمني الشهيد في البرزخ الرجوع إلى الدنيا، وهو دليل لجواز ذلك.
وفي الحديث: "وددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل"3.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أخرجه البخاري في التوحيد "13/ 511"، ح "7529".
2 أخرجه مسلم في الإمارة "3/ 1517"، ح "156/ 1908"، ح "1953". والنسائي في الجهاد "6/ 31"، باب مسألة الشهادة "36". وابن ماجه في الجهاد "2/ 935"، ح "2797". والدرامي في الجهاد "2/ 270"، ح "2407". والإمام أحمد في مسنده "5/ 288"، ح "22171".
3 أخرجه البخاري في الإيمان "1/ 114"، ح "36". ومسلم في الإمارة "3/ 1495، 1496"، ح "103/ 1876". والنسائي في الجهاد "6/ 27" باب تمني القتل في سبيل الله تعالى. وابن ماجه في الجهاد "2/ 920"، ح "2753". والإمام مالك في الموطأ في الجهاد "2/ 465"، برقم "40". والإمام أحمد في مسنده "2/ 309"، ح "7176".