ومرادهم أنه يختلف حاله باختلاف الأحوال والأزمنة، ويختلف الحرز باختلاف عدل السلطان وجوره، وبحالة الأمن والخوف1.
وهذه الأشياء لا تكاد تنضبط، وكل موضع في كل شيء من ذلك يرجع إلى أهل ناحيته فما عدوه حرزا فالمال محرز وما لا فلا.
ومنه: الاكتفاء في نية الصلاة بالمقارنة، للتكبيرة العرفية بحيث يعد مستحضرا للصلاة على ما اختاره النووي وغيره، وقالوا في كتاب الأيمان: إنها تبنى أولا على اللغة ثم على العرف، وهذا كله مخالف لكلام الأصوليين أنه يقدم العرف الشرعي، ثم العرفي ثم اللغوي2.
والجواب: أن كلام الأصوليين إنما هو في الحقائق والأدلة التي تستنبط منها الأحكام فيقدم فيها الشرعي على العرفي، كبيع الهازل وطلاقه فإنه نافذ، وإن كان أهل العرف لا ينفذونه، ويقدم العرفي فيهما على اللغوي عند التعارض؛ لأن العرف طارئ على اللغة فهو كالناسخ.
وهنا تنبيهان:
الأول: إنهم لم يجروا هذا الأصل في كل المواضع، ولم يرجعوا إلى العرف فيما لا ضابط له في الشرع، ولا في اللغة، كما في مسألة المعاطاة في البيع لا تصح، ولو جرت العادة بها فيما يعدونه بيعا، وكما في مسألة استصناع الصناع الجارية عادتهم بالعمل بالأجرة لا يستحقون شيئا إذا لم يشرطوه، والمسألتان من مناصيص الإمام الشافعي -رضي الله عنه، وكذلك إذا أوجبنا الموالاة في الوضوء فلا يرجع في ضبطها للعرف في الأصح وضبطوه بأن تمضي مدة يجف فيها العضو الذي قبله، وكذلك إذا أوجبنا إيصال الماء إلى باطن الشعر الخفيف لا يرجع في ضبط الخفة للعرف في الأصح وضبطوه بما ترى منه البشرة في مجلس التخاطب3.
ومنها: المرأة المخدرة تعفى عن الإحضار للدعوى عليها، ولم يرجعوا في ضبط التخدير للعرف، واختلفوا هم فيه فقيل: من لا يكثر خروجها للحاجات، وقيل: من لا تحضر الأعراس، وقيل: غير ذلك4.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 انظر: الأشباه والنظائر "1/ 98".
2 انظر: الأشباه والنظائر "1/ 98".
3 نقله السيوطي في الأشباه والنظائر "1/ 98".
4 انظر: مغني المحتاج "4/ 417".