First Previous Next Last

وانفراد أحدهما بتحمل المشقة؛ لأجل الله تعالى، فأثيب على تحمل المشقة لا على غير الشاق، وذلك كالاغتسال في الصيف والشتاء سواء في الأفعال، ويزيد أجر الاغتسال في الشتاء بتحمل مشقة البرد، فليس التفاوت في نفس العملين، بل فيما لزم عنهما، وكذلك مشاق الوسائل في قاصد المساجد أو الحج أو العمرة من مسافة قريبة، وآخر من بعيدة فإن ثوابهما يتفاوت بتفاوت الوسيلة، ويتساويان من جهة القيام بأصل العبادة، قال: وأما حديث عائشة -رضي الله عنها: "أجرك على قدر نصبك -أو قال: على قدر نفقتك"1، فإن كانت الرواية بالنفقة فواضح، فإن ما ينفق في طاعة الله تعالى يفرق بين قليله وكثيره وإن كانت الرواية بالنصب فيجوز أن يكون التقدير على قدر تحمل نصبك، وقد قيل في بعض كتب الله تعالى: بعيني ما يتحمل المتحملون من أجلي.
وأما إذا لم يتساو العملان فلا يطلق القول بتفضيل أشقهما، بدليل الإيمان أفضل الأعمال مع سهولته وخفته على اللسان، وكذلك الذكر على ما شهدت به الأخبار، وكذلك إعطاء الزكاة مع طيب نفس أفضل من إعطائها مع البخل ومجاهدة النفس، وكذلك جعل النبي -صلى الله عليه وسلم: "الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة وجعل للذي يقرأه، ويتتعتع فيه، وهو عليه شاق أجرين"2.
قلت: ولذلك أجاب الإمام أحمد أيضا لما سئل عن الرجل يشرع له وجه بر، فيحمل نفسه على الكراهة، وآخر يشرع له فيسر بذلك فأيهما أفضل؟ قال: ألم تسمع قوله -صلى الله عليه وسلم: "من تعلم القرآن وهو كبير فشق عليه فله أجران"3، وهذا ظاهر في ترجيح المكره نفسه؛ لأن له عملين جهادا وطاعة أخرى، ولذلك كان له أجران، وهذا قول جماعة من الصوفية، وخالفهم الجنيد في جماعة فقالوا: الباذل لذلك طوعا أفضل، وهو المختار؛ لأن مقامه في طمأنينة النفس.
الثاني: إذا تعارض العمل بين أن يكون أشرف في نفسه والآخر أكبر عددا، فلا تطلق أفضلية أحدهما على الآخر، وإنما يختلف ذلك باختلاف مقاصد ذلك العمل، ولذلك قال الإمام الشافعي -رضي الله عنه: التضحية بشاة سمينة أفضل من التضحية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 تقدم تخريجه.
2 أخرجه مسلم في صلاة المسافرين "1/ 549-550" - ح "244/ 798".
3 أخرجه الترمذي في فضائل القرآن "5/ 171" - ح "2904"، والدارمي في فضائل القرآن "2/ 537" - ح "3368"، والإمام أحمد في مسنده "6/ 45" - ح "24266".