فكف، فوقف عليه، فقال: إنك لم تصب، خرجت بالمرأة على رءوس الناس علانية، وقد عرفت مصيبتنا ونكبتنا، وما دخل علينا من محمد، فيظن الناس أن ذلك عن ذل أصابنا، ولعمري ما بنا بحبسها عن أبيها من حاجة، ارجع بها، حتى إذا هدت الأصوات، وتحدث الناس أنا رددناها، فسلها سرا، وألحقها بأبيها، قال: ففعل، وخرج بها بعد ليال، فسلمها إلى زيد وصاحبه، فقدما بها، فلما كان قبل الفتح، خرج أبو العاص تاجرا إلى الشام بماله ومال كثير لقريش، فلما رجع، لقيته سرية، فأصابوا ما معه، وأعجزهم هربا، فقدموا بما أصابوا، وأقبل هو في الليل، حتى دخل على زينب، فاستجار بها، فأجازته، فلما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- والناس في صلاة الصبح، صرخت زينب من صُفَّة النساء: أيها الناس، قد أجرت أبا العاص بن الربيع، وبعث النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى السرية الذين أصابوا ماله، فقال: "إن هذا الرجل منا حيث قد علمتم، وقد أصبتم له مالا، فإن تحسنوا وتردوه، فإنا نحب ذلك، وإن أبيتم، فهو فيء الله، فأنتم أحق به". قالوا: بل نرده، فردوه كله، ثم ذهب به إلى مكة، فأدى إلى كل ذي مال ماله، ثم قال: يا معشر قريش! هل بقي لأحد منكم عندي شيء؟ قالوا: لا، فجزاك الله خيرا، قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، والله ما منعني من الإسلام عنده، إلا خوف أن تظنوا أني إنما أردت أكل أموالكم.
ثم قدم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فعن ابن عباس قال: رد عليه النبي -صلى الله عليه وسلم، زينب على النكاح الأول، لم يحدث شيئا1.
75- زينب "ت 8هـ".
هذه كانت -رضي الله عنها- أكبر بنات رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتوفيت سنة ثمان من الهجرة، وغسلتها أم عطية، فأعطاهن حقوه، وقال: "أَشْعِرْنَهَا إيَّاه"2.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 صحيح: أخرجه أبو داود "2240" في كتاب الطلاق، باب: إلى متى ترد عليه امرأته إذا أسلم بعدها، والترمذي "1146" في كتاب النكاح، باب: في الزوجين المشركين يسلم أحدهما، وابن ماجه "2009" في كتاب النكاح، باب: الزوجين يسلم أحدهما قبل الآخر، وابن إسحاق في "السيرة" "1/ 573"، وأحمد "1/ 217" وصححه الألباني في "صحيح سنن ابن ماجه" "1635".
2 صحيح: أخرجه البخاري "1235" في كتاب الجنائز، باب: غسل الميت، من حديث أم عطية.