First Previous Next Last

وفي مغازي يحيى بن سعيد الأموي: حدثنا الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، عن الطفيل الدوسي.
وذكره ابن إسحاق عن عثمان بن الحويرث، عن صالح بن كيسان أن الطفيل بن عمرو قال: كنت رجلا شاعرا  سيدا في قومي، فقدمت مكة، فمشيت إلى رجالات قريش، فقالوا: إنك امرؤ شاعر سيد، وإنا قد خشينا أن يلقاك هذا الرجل، فيصيبك ببعض حديثه، فإنما حديثه كالسحر، فاحذره أن يدخل عليك وعلى قومك ما أدخل علينا، فإنه فرق بين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وابنه، فوالله ما زالوا يحدثوني شأنه، وينهوني أن أسمع منه حتى قلت: والله لا أدخل المسجد إلا وأنا ساد أذني، قال: فعمدت إلى أذني، فحشوتها كرسفا، ثم غدوت إلى المسجد، فإذا برسول الله -صلى الله عليه وسلم- قائما في المسجد، فقمت قريبا منه، وأبى الله إلا أن يُسمعني بعض قوله، فقلت في نفسي: والله إن هذا للمعجز، وإني امرؤ ثبت، ما تخفى عليَّ الأمور حسنها وقبيحها، والله لأتسمعن منه، فإنه كان امرؤ رشدا أخذت منه، وإلا اجتنبته، فنزعت الكرسفة، فلم أسمع قط كلاما أحسن من كلام يتكلم به، فقلت: يا سبحان الله! ما سمعت كاليوم لفظا أحسن ولا أجمل منه، فلما انصرف تبعته، فدخلت معه بيته، فقلت: يا محمد! إن قومك جاءوني فقالوا لي كذا وكذا، فأخبرته بما قالوا، وقد أبى الله إلا أن أسمعني منك ما تقول، وقد وقع في نفسي أنه حق فاعرض عليَّ دينك، فعرض عليَّ الإسلام فأسلمت، ثم قلت: إني أرجع إلى دوس، وأنا فيهم مطاع، وأدعوهم إلى الإسلام لعل الله أن يهديهم، فادع الله أن يجعل لي آية قال: "اللهم اجعل له آية تعينه"، فخرجت حتى أشرفت على ثنية قومي، وأبي هناك شيخ كبير، وامرأتي وولدي، فلما علوت الثنية، وضع الله بين عيني نورا كالشهاب يتراءاه الحاضر في ظلمة الليل، وأنا مهبط من الثنية، فقلت: اللهم في غير وجهي، فإني أخشى أن يظنوا أنها مثلة لفراق دينهم، فتحول فوقع في رأس سوطي، فلقد رأيتني أسير على بعيري إليهم، وإنه على رأس سوطي كأنه قنديل معلق، قال: فأتاني أبي فقلت: إليك عني، فلست منك ولست مني، قال: وما ذاك؟ قلت: إني أسلمت واتبعت دين محمد، فقال: أي بني! ديني دينك، وكذلك أمي، فأسلما، ثم دعوت دوسا إلى الإسلام، فأبت علي، وتعاصت، ثم