First Previous Next Last

القول الأول، وقال السدي: القدس البركة. وقال العوفي عن ابن عباس: القدس: الطهر، وقال ابن جرير حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا ابن وهب، قال ابن زيد في قوله تعالى: {وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ} قال: أيد الله عيسى بالإنجيل روحاً كما جعل القرآن روحاً، كلاهما روح من الله، كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا} ثم قال ابن جرير: وأولى التأويلات في ذلك بالصواب قول من قال: الروح في هذا الموضع: جبرائيل، فإن الله تعالى أخبر أنه أيد عيسى به كما أخبر في قوله تعالى: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالأِنْجِيلَ} الآية، فذكر أنه أيده به، فلو كان الروح الذي أيده به هو الإنجيل، لكان قوله: {إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالأِنْجِيلَ} تكرير قول لا معنى له، والله سبحانه وتعالى أعز وأجل أن يخاطب عباده بما لا يفيدهم به، (قلت) ومن الدليل على أنه جبرائيل ما تقدم من أول السياق، و لله الحمد، وقال الزمخشري {بِرُوحِ الْقُدُسِ} بالروح المقدسة، كما تقول: حاتم الجود ورجل صدق ووصفها بالقدس كما قال: {وَرُوحٌ مِنْهُ} فوصفه بالاختصاص والتقريب تكرمة، وقيل: لأنه لم تضمه الأصلاب والأرحام الطوامث وقيل بجبريل، قيل بالإنجيل كما قال في القرآن {رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا} وقيل: باسم الله الأعظم الذي كان يحيي الموتى بذكره فتضمن كلامه قولاً آخر، وهو أن المراد روح عيسى نفسه المقدسة المطهرة، وقال الزمخشري في قوله تعالى: {فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ} إنما لم يقل وفريقاً قتلتم، لأنه أراد بذلك وصفهم في المستقبل أيضاً لأنهم حاولوا قتل النبي صلى الله عليه وسلم بالسم والسحر وقد قال عليه السلام في مرض موته: "ما زالت أكلة خيبر تعاودني فهذا أوان انقطاع أبهري" (قلت) وهذا الحديث في صحيح البخاري وغيره.
{وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لّعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مّا يُؤْمِنُونَ}
قال محمد بن إسحاق حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد، عن ابن عباس {وقالوا قلوبنا غلف} أي في أكنة، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ} أي لا تفقه: وقال العوفي عن ابن عباس: {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ} هي القلب المطبوع عليها، وقال مجاهد {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ} عليه غشاوة وقال عكرمة: عليها طابع، وقال أبو العالية: أي لا تفقه، وقال السدي يقولون عليه غلاف، وهو الغطاء، وقال عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة: فلا تعي ولا تفقه، قال مجاهد وقتادة: وقرأ ابن عباس غلف، بضم اللام، وهو جمع غلاف، أي قولبنا أوعية كل علم فلا نحتاج إلى علمك، قاله ابن عباس وعطاء {بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ} أي طردهم الله وأبعدهم من كل خير {فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ} قال قتادة: معناه لا يؤمن منهم إلا القليل {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ} هو كقوله: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ} وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله غلف، قال: تقول قلبي في غلاف فلا يخلص إليه مما تقول شيء، وقرأ {وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ} وهذا الذي رجحه ابن جرير، واستشهد بما روي من حديث عمرو بن مرة الجملي عن أبي البختري، عن حذيفة قال: "القلوب أربعة" فذكر منها "وقلب أغلف مغضوب عليه وذاك قلب الكافر" وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الرحمن العرزمي، أنبأنا أبي، عن جدي، عن قتادة، عن الحسن في قوله: {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} قال: لم تختن، هذا القول يرجع معناه إلى ما تقدم من عدم طهارة قلوبهم وأنها بعيدة من الخير. قول آخر - قال الضحاك عن ابن عباس {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ} قال: يقولون قلوبنا غلف مملوءة لا تحتاج إلى علم محمد ولا غيره. وقال عطية العوفي عن ابن عباس {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ}