وفي صلاته، فوجه إِلى مكة فكان موضع قدميه قرية، وخطوه مفازة، حتى انتهى إِلى مكة وأنزل الله ياقوته من ياقوت الجنة، فكانت على موضع البيت الآن، فلم يزل يطوف به حتى أنزل الله الطوفان، فرفعت تلك الياقوتة، حتى بعث الله إِبراهيم عليه السلام فبناه، ذلك قول الله تعالى: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ} وقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج عن عطاء، قال: قال آدم: إِني لا أسمع أصوات الملائكة، فقال: بخطيئتك، ولكن اهبط إِلى الأرض فابن لي بيتاً ثم احفف به كما رأيت الملائكة تحف ببيتي الذي في السماء فيزعم الناس أنه بناه من خمسة أجبل: من حراء وطور زيتا وطور سيناء والجودي، وكان ربضه من حراء، فكان هذا بناء آدم حتى بناه إِبراهيم عليه السلام بعد، وهذا صحيح إِلى عطاء ولكن في بعضه نكارة، والله أعلم.
وقال عبد الرزاق أيضاً: أخبرنا معمر عن قتادة، قال: وضع الله البيت مع آدم حين أهبط الله آدم إِلى الأرض، وكان مهبطه بأرض الهند، وكان رأسه في السماء ورجلاه في الأرض، فكانت الملائكة تهابه، فنقص إِلى ستين ذراعاً، فحزن آدم إِذ فقد أصوات الملائكة وتسبيحهم، فشكا ذلك إِلى الله عز وجل، فقال الله: يا آدم إِني أهبطت لك بيتاً تطوف به كما يطاف حول عرشي، وتصلي عنده كما يُصلّى عند عرشي، فانطلق إِليه آدم، فخرج ومدّ له في خطوه، فكان بين كل خطوتين مفازة، فلم تزل تلك المفازة بعد ذلك، فأتى آدم البيت فطاف به ومن بعده من الأنبياء.
وقال ابن جرير: أخبرنا ابن حميد، أخبرنا يعقوب القمىّ، عن حفص بن حميد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال، وضع الله البيت على أركان الماء على أربعة أركان قبل أن تخلق الدنيا بألفي عام، ثم دحيت الأرض من تحت البيت. وقال محمد بن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد وغيره من أهل العلم: أن الله لما بوأ إبراهيم مكان البيت خرج إليه من الشام، وخرج معه إسماعيل وأمه هاجر وإسماعيل طفل صغير يرضع، وحملوا فيما حدثني على البراق، ومعه جبريل يدله على موضع البيت ومعالم الحرم، خرج معه جبريل، فكان لا يمر بقرية إلا قال: أبهذه أمرت يا جبريل ؟ فيقول جبريل: امضه، حتى قدم به مكة، وهي إذ ذاك عضاه وسلم وسمر، وبها أناس يقال لهم: العماليق خارج مكة وما حولها، والبيت يومئذ ربوة حمراء مدرة، فقال إبراهيم لجبريل: أههنا أمرت أن أضعهما ؟ قال: نعم، فعمد بهما إلى موضع الحجر فأنزلهما فيه، وأمر هاجر أم إسماعيل أن تتخذ فيه عريشاً، فقال {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ} إلى قوله: {لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} وقال عبد الرزاق: أخبرنا هشام بن حسان، أخبرني حميد، عن مجاهد، قال: خلق الله موضع هذا البيت قبل أن يخلق شيئاً بألفي سنة، وأركانه في الأرض السابعة، وكذا قال ليث بن أبي سليم عن مجاهد: القواعد في الأرض السابعة، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، أخبرنا عمرو بن رافع أخبرنا عبد الوهاب بن معاوية عن عبد المؤمن بن خالد، عن علياء بن أحمر: أن ذا القرنين قدم مكة، فوجد إبراهيم وإسماعيل يبنيان قواعد البيت من خمسة أجبل. فقال: ما لكما ولأرضي ؟ فقال: نحن عبدان مأموران، أمرنا ببناء هذه الكعبة. قال: فهاتا البينة على ما تدعيان. فقامت خمسة أكبش فقلن: نحن نشهد أن إبراهيم وإسماعيل عبدان مأموران أمرا ببناء هذه الكعبة. فقال: قد رضيت وسلمت، ثم مضى، وذكر الأزرقي في تاريخ مكة أن ذا القرنين طاف مع إبراهيم عليه السلام بالبيت، وهذا يدل على تقدم زمانه، والله أعلم.
وقال البخاري رحمه الله: قوله تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ} الآية، القواعد: