وكيف يسألونك الصفا وهم يرون من الآيات ما هو أعظم من الصفا ؟ وقال ابن أبي حاتم أيضاً: حدثنا أبي، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، قال: نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} فقال كفار قريش بمكة: كيف يسع الناس إله واحد ؟ فأنزل الله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ} إلى قوله: {لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} فبهذا يعلمون أنه إله واحد، وأنه إله كل شيء، وخالق كل شيء، وقال وكيع بن الجراح: حدثنا سفيان عن أبيه، عن أبي الضحى، قال: لما نزلت {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} إلى آخر الآية، قال المشركون: أن كان هكذا، فليأتنا بآية، فأنزل الله عز وجل {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} إلى قوله: {يَعْقِلُونَ} رواه آدم ابن أبي إياس عن أبي جعفر هو الرازي، عن سعيد بن مسروق والد سفيان، عن أبي الضحى به.
{وَمِنَ النّاسِ مَن يَتّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبّونَهُمْ كَحُبّ اللّهِ وَالّذِينَ آمَنُواْ أَشَدّ حُبّاً للّهِ وَلَوْ يَرَى الّذِينَ ظَلَمُوَاْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أن الْقُوّةَ للّهِ جَمِيعاً وَأَنّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ إِذْ تَبَرّأَ الّذِينَ اتّبِعُواْ مِنَ الّذِينَ اتّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطّعَتْ بِهِمُ الأسْبَابُ وَقَالَ الّذِينَ اتّبَعُواْ لَوْ أن لَنَا كَرّةً فَنَتَبَرّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرّءُواْ مِنّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النّارِ}
يذكر تعالى حال المشركين به في الدنيا ومالهم في الدار الآخرة حيث جعلوا له أنداداً أي أمثالاً ونظراء، يعبدونهم معه ويحبونهم كحبه، وهو الله لا إله إلا هو، ولا ضد له، ولا ندّ له، ولا شريك معه. وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود، قال: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم ؟ قال "أن تجعل لله ندّاً وهو خلقك" وقوله: {وَالّذِينَ آمَنُواْ أَشَدّ حُبّاً للّهِ} ولحبهم لله وتمام معرفتهم به وتوقيرهم وتوحيدهم، له، لا يشركون به شيئاً بل يعبدونه وحده، ويتوكلون عليه، ويلجأون في جميع أمورهم إليه. ثم توعد تعالى المشركين به الظالمين لأنفسهم بذلك، فقال {وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً} قال بعضهم: تقدير الكلام، لو عاينوا العذاب لعلموا حينئذ أن القوة لله جميعاً، أي أن الحكم له وحده لا شريك له، وأن جميع الأشياء تحت قهره وغلبته وسلطانه {وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ} كما قال {فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ} يقول لو يعلمون ما يعاينونه هنالك وما يحل بهم من الأمر الفظيع المنكر الهائل على شركهم وكفرهم لانتهوا عما هم فيه من الضلال ثم أخبر عن كفرهم بأوثانهم وتبري المتبوعين من التابعين، فقال: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا} تبرأت منهم الملائكة الذين كانوا يزعمون أنهم يعبدونهم في الدار الدنيا، فيقول الملائكة: {تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ} ويقولون: {سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ}، والجن أيضاً تتبرأ منهم، ويتنصلون من عبادتهم لهم، كما قال تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ