أن هذا من الحمس ما شأنه ههنا ؟ أخرجاه في الصحيحين، ثم رواه البخاري من حديث موسى بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس: ما يقتضي أن المراد بالإفاضة ههنا هي الإفاضة من المزدلفة إلى منى لرمي الجمار، فالله أعلم، وحكاه ابن جرير عن الضحاك بن مزاحم فقط. قال: والمراد بالناس إبراهيم عليه السلام، وفي رواية عند الإمام، قال ابن جرير: ولولا إجماع الحجة على خلافه لكان هو الأرجح.
وقوله: {وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} كثيراً ما يأمر الله بذكره بعد قضاء العبادات، ولهذا ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان إذا فرغ من الصلاة يستغفر الله ثلاثا، وفي الصحيحين أنه ندب إلى التسبيح والتحميد والتكبير ثلاثاً وثلاثين. وقد روى ابن جرير ههنا حديث ابن عباس بن مرداس السلمي، في استغفاره صلى الله عليه وسلم لأمته عشية عرفة، وقد أوردناه في جزء جمعناه في فضل يوم عرفة، وأورد ابن مردويه ههنا الحديث الذي رواه البخاري عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، من قالها في ليلة فمات في ليلته دخل الجنة، ومن قالها في يومه فمات دخل الجنة"، وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو أن أبا بكر قال: يا رسول الله، علمني دعاء أدعو به في صلاتي، فقال "قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم" والأحاديث في الاستغفار كثيرة.
{فَإِذَا قَضَيْتُمْ مّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ أَوْ أَشَدّ ذِكْراً فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ رَبّنَآ آتِنَا فِي الدّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخرة مِنْ خَلاَقٍ وِمِنْهُمْ مّن يَقُولُ رَبّنَآ آتِنَا فِي الدّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخرة حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النّارِ أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مّمّا كَسَبُواْ وَاللّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ}
يأمر تعالى بذكره والإكثار منه بعد قضاء المناسك وفراغها، وقوله: {كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ} اختلفوا في معناه، فقال ابن جريج عن عطاء: هو كقول الصبي أبه أمه، يعني كما يلهج الصبي بذكر أبيه وأمه، فكذلك أنتم فالهجوا بذكر الله بعد قضاء النسك، وكذا قال الضحاك والربيع بن أنس، وروى ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس نحوه، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم فيقول الرجل منهم: كان أبي يطعم ويحمل الحمالات، ويحمل الديات، ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم، فأنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم {فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً}، قال ابن أبي حاتم: وروى السدي، عن أنس بن مالك وأبي وائل وعطاء بن أبي رباح في أحد قوليه وسعيد بن جبير وعكرمة في أحد رواياته، ومجاهد والسدي وعطاء الخراساني والربيع بن أنس والحسن وقتادة ومحمد بن كعب ومقاتل بن حيان نحو ذلك، وهكذا حكاه ابن جرير عن جماعة والله أعلم، والمقصود منه الحث على كثرة الذكر لله عز وجل، ولهذا كان انتصاب قوله، أو أشد ذكراً على التمييز، تقديره كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً، وأو - ههنا - لتحقيق المماثلة في الخبر كقوله: {فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} وقوله: {يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً}