{وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} فليست ههنا للشك قطعاً، وإنما هي لتحقيق المخبر عنه كذلك أو أزيد منه، ثم إنه تعالى أرشد إلى دعائه بعد كثرة ذكره فإنه مظنة الإجابة، وذم من لا يسأله إلا في أمر دنياه وهو معرض عن أخراه، فقال {فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ} أي من نصيب ولا حظ، وتضمن هذا الذم والتنفير عن التشبه بمن هو كذلك، قال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: كان قوم من الأعراب يجيئون إلى الموقف فيقولون: اللهم اجعله عام غيث، وعام خصب، وعام ولاد حسن، لا يذكرون من أمر الآخرة شيئاً، فأنزل الله فيهم {فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ} وكان يجيء بعدهم آخرون من المؤمنين فيقولون {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} فأنزل الله {ولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} ولهذا مدح من يسأله الدنيا والأخرى، فقال: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} فجمعت هذه الدعوة كل خير في الدنيا وصرفت كل شر، فإن الحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي من عافية، ودار رحبة، وزوجة حسنة، ورزق واسع، وعلم نافع، وعمل صالح، ومركب هنيء، وثناء جميل إلى غير ذلك مما اشتملت عليه عبارات المفسرين، ولا منافاة بينها، فإنها كلها مندرجة في الحسنة في الدنيا، وأما الحسنة في الآخرة، فأعلى ذلك دخول الجنة وتوابعه من الأمن من الفزع الأكبر في العرصات، وتيسير الحساب وغير ذلك من أمور الآخرة الصالحة، وأما النجاة من النار فهو يقتضي تيسير أسبابه في الدنيا من اجتناب المحارم والآثام وترك الشبهات والحرام، وقال القاسم بن عبد الرحمن: من أعطي قلباً شاكراً، ولساناً ذاكراً، وجسداً صابراً، فقد أوتي في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، ووقي عذاب النار، ولهذا وردت السنة بالترغيب في هذا الدعاء، فقال البخاري: حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث عن عبد العزيز، عن أنس بن مالك، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار" وقال أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، قال: سأل قتادة أنساً: أي دعوة كان أكثر ما يدعوها النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال: يقول "اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار" وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بها، وإذا أراد أن يدعو بدعاء دعا بها ورواه مسلم، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم,حدثنا عبد السلام بن شداد يعني أبا طالوت، قال: كنت عند أنس بن مالك، فقال له ثابت: أن إخوانك يحبون أن تدعو لهم، فقال: "اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار" وتحدثوا ساعة، حتى إذا أرادوا القيام قال: يا أبا حمزة، أن إخوانك يريدون القيام، فادع الله لهم، فقال: أتريدون أن أشقق لكم الأمور إذا آتاكم الله في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، ووقاكم عذاب النار، فقد آتاكم الخير كله، وقال أحمد أيضاً: حدثنا محمد بن أبي عدي عن حميد عن ثابت، عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد رجلاً من المسلمين قد صار مثل الفرخ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هل تدعو الله بشيء أو تسأله إياه ؟ قال: نعم، كنت أقول اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سبحان الله لا تطيقه أو لا تستطيعه، فهلا قلت {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} قال: فدعاه فشفاه، انفرد بإخراجه مسلم، فرواه من حديث ابن أبي عدي به وقال الإمام الشافعي: أخبرنا سعيد بن سالم القداح عن ابن جريج، عن يحيى بن عبيد مولى السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن السائب: