الإزار منها، وهو أحد القولين في مذهب الشافعي رحمه الله، الذي رجحه كثير من العراقيين وغيرهم، ومأخذهم أنه حريم الفرج فهو حرام لئلا يتوصل إلى تعاطي ما حرم الله عز وجل الذي أجمع العلماء على تحريمه وهو المباشرة في الفرج، ثم من فعل ذلك فقد أثم، فيستغفر الله ويتوب إليه، وهل يلزمه مع ذلك كفارة أم لا ؟ فيه قولان: (أحدهما) نعم، لما رواه الإمام أحمد وأهل السنن عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يأتي امرأته وهي حائض، يتصدق بدينار أو نصف دينار، وفي لفظ للترمذي "إذا كان دماً أحمر فدينار، وإن كان دماً أصفر فنصف دينار" وللإمام أحمد أيضاً عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، جعل في الحائض تصاب ديناراً، فإن أصابها وقد أدبر الدم عنها ولم تغتسل، فنصف دينار. (والقول الثاني) وهو الصحيح الجديد من مذهب الشافعي وقول الجمهور أنه لا شيء في ذلك، بل يستغفر الله عز وجل لأنه لم يصح عندهم رفع هذا الحديث، فإنه قد روي مرفوعاً كما تقدم، وموقوفاً وهو الصحيح عند كثير من أئمة الحديث، فقوله تعالى: {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} تفسير قوله: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} ونهى عن قربانهن بالجماع ما دام الحيض موجوداً، ومفهومه حله إذا انقطع. قال الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل فيما أملاه في الطاعة: وقوله: {وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} الآية، الطهر يدل على أن يقربها، فلما قالت ميمونة وعائشة: كانت إحدانا إذا حاضت اتزرت ودخلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعاره، دل ذلك على أنه إنما أراد الجماع.
وقوله: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} فيه ندب وإرشاد إلى غشيانهن بعد الاغتسال وذهب ابن حزم إلى وجوب الجماع بعد كل حيضة لقوله: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} وليس له في ذلك مستند، لأن هذا أمر بعد الحظر. وفيه أقوال لعلماء الأصول منهم من يقول إنه على الوجوب كالمطلق، هؤلاء يحتاجون إلى جواب ابن حزم، ومنهم من يقول: إنه للإباحة، ويجعلون تقدم النهي عليه قرينة صارفة له من الوجوب، وفيه نظر، والذي ينهض عليه الدليل أنه يرد عليه الحكم إلى ما كان عليه الأمر قبل النهي، فإن كان واجباً، فواجب كقوله: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} أو مباحاً فمباح كقوله: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ} وعلى هذا القول تجتمع الأدلة، وقد حكاه الغزالي وغيره، فاختاره بعض أئمة المتأخرين وهو الصحيح، وقد اتفق العلماء على أن المرأة إذا انقطع حيضها لا تحل حتى تغتسل بالماء أو تتيمم أن تعذر ذلك عليها بشرطه، إلا أن أبا حنيفة رحمه الله يقول، فيما إذا انقطع دمها لأكثر الحيض وهو عشرة أيام عنده: أنها تحل بمجرد الانقطاع ولا تفتقر إلى غسل، والله أعلم، وقال ابن عباس {حَتَّى يَطْهُرْنَ} أي من الدم {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} أي بالماء، وكذا قال مجاهد وعكرمة والحسن ومقاتل بن حيان والليث بن سعد وغيرهم.
وقوله: {مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: يعني الفرج. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} يقول: في الفرج ولا تعدوه إلى غيره، فمن فعل شيئاً من ذلك فقد اعتدى. وقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة {مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} أي تعتزلوهن، وفيه دلالة حينئذ على تحريم الوطء في الدبر، كما سيأتي تقريره قريباً أن شاء الله تعالى. وقال أبو رزين وعكرمة والضحاك وغير واحد {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} يعني طاهرات غير حيّض، ولهذا قال {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ