First Previous Next Last

(والثاني) قال مالك: أن أتبع الخلع طلاقاً من غير سكوت بينهما، وقع، وإن سكت بينهما، لم يقع، قال ابن عبد البر: وهذا يشبه ما وري عن عثمان رضي الله عنه. (والثالث) أنه يقع عليها الطلاق بكل حال ما دامت في العدة، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي، وبه يقول سعيد بن المسيب وشريح وطاوس وإبراهيم والزهري والحاكم والحكم وحماد بن أبي سليمان، وروي ذلك عن ابن مسعود وأبي الدرداء، وقال ابن عبد البر: وليس ذلك بثابت عنهما.
وقوله: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} أي هذه الشرائع التي شرعها لكم. هي حدوده فلا تتجاوزوها، كما ثبت في الحديث الصحيح "إن الله حد حدوداً فلا تعتدوها، وفرض فرائض فلا تضيعوها، وحرم محارم فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تسألوا عنها". وقد يستدل بهذه الآية من ذهب إلى أن جمع الطلقات الثلاث بكلمة واحدة حرام، كما هو مذهب المالكية ومن وافقهم، وإنما السنة عندهم أن يطلق واحدة لقوله: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ} ثم قال {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} ويقوون ذلك بحديث محمود بن لبيد الذي رواه النسائي في سننه حيث قال: حدثنا سليمان بن داود، أخبرنا ابن وهب عن مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن محمود بن لبيد، قال: أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعاً، فقام غضبان ثم قال: "أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم" ؟ حتى قام رجل فقال: يا رسول الله، ألا أقتله - فيه انقطاع.
وقوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} أي أنه إذا طلق الرجل امرأته طلقة ثالثة بعد ما أرسل عليها الطلاق مرتين، فإنها تحرم عليه {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ}، أي حتى يطأها زوج آخر في نكاح صحيح، فلو وطئها واطئ في غير نكاح ولو في ملك اليمين، لم تحل للأول، لأنه ليس بزوج، وهكذا لو تزوجت ولكن لم يدخل بها الزوج لم تحل للأول، واشتهر بين كثير من الفقهاء عن سعيد بن المسيب رحمه الله أنه يقول: يحصل المقصود من تحليلها للأول بمجرد العقد على الثاني، وفي صحته عنه نظر، على أن الشيخ أبا عمر بن عبد البر قد حكاه عنه في الاستذكار، والله أعلم. وقد قال أبو جعفر بن جرير رحمه الله: حدثنا ابن بشار حدثنا محمد بن جعفر عن شعبة، عن علقمة بن مرثد، عن سالم بن رزين عن سالم بن عبد الله، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، في الرجل يتزوج المرأة فيطلقها قبل أن يدخل بها البتة، فيتزوجها زوج آخر، فيطلقها قبل أن يدخل بها، أترجع إلى الأول ؟ قال "لا، حتى تذوق عسيلته ويذوق عسيلتها" هكذا وقع في رواية ابن جرير، وقد رواه الإمام أحمد فقال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن علقمة بن مرثد، قال: سمعت سالم بن رزين يحدث عن سالم بن عبد الله يعني ابن عمر، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، في الرجل تكون له المرأة فيطلقها ثم يتزوجها رجل فيطلقها قبل أن يدخل بها، فترجع إلى زوجها الأول، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حتى تذوق العسيلة" وهكذا رواه النسائي عن عمرو بن علي الفلاس وابن ماجه، عن محمد بن بشار بندار، كلاهما عن محمد بن جعفر غندر، عن شعبة به، كذلك فهذا من رواية سعيد بن المسيب عن ابن عمرو مرفوعاً على خلاف ما يحكى عنه، فبعيد أن يخالف ما رواه بغير مستند، والله أعلم. وقد روى أحمد أيضاً والنسائي وابن جرير هذا الحديث من طريق سفيان الثوري عن علقمة بن مرثد، عن رزين بن سليمان الأحمدي، عن ابن عمر، قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يطلق امرأته ثلاثاً، فيتزوجها آخر، فيغلق الباب، ويرخي الستر، ثم يطلقها قبل أن