عن العود إلى ما كانت عليه، قال الله تعالى: {فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ} قال: وعمرت البلاد بعد مضي سبعين سنة من موته، وتكامل ساكنوها، وتراجع بنو إسرائيل إليها، فلما بعثه الله عز وجل بعد موته، كان أول شيء أحيا الله فيه عينيه لينظر بهما إلى صنع الله فيه: كيف يحي بدنه، فلما استقل سوياً (قال) الله له، أي بواسطة الملك: {كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْم} قال: وذلك أنه مات أول النهار، ثم بعثه الله في آخر النهار، فلما رأى الشمس باقية ظن أنها شمس ذلك اليوم، فقال {أَوْ بَعْضَ يَوْم قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ} وذلك أنه كان معه فيما ذكر عنب وتين وعصير، فوجده كما تقدم لم يتغير منه شيء، لا العصير استحال، ولا التين حمض ولا أنتن، ولا العنب نقص {وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ} أي كيف يحييه الله عز وجل، وأنت تنظر {وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ} أي دليلاً على المعاد {وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا} أي نرفعها، فيركب بعضها على بعض. وقد روى الحاكم في مستدركه من حديث نافع بن أبي نعيم عن إسماعيل بن حكيم، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ: {كَيْفَ نُنْشِزُهَا} بالزاي ثم قال: صحيح الإسناد. ولم يخرجاه. وقرىء {نُنْشِزُهَا} أي نحييها، قاله مجاهد {ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْما}. وقال السدي وغيره تفرقت عظام حماره حوله يميناً ويساراً، فنظر إليها وهي تلوح من بياضها، فبعث الله ريحاً فجمعتها من كل موضع من تلك المحلة، ثم ركب كل عظم في موضعه حتى صار حماراً قائماً من عظام لا لحم عليها، ثم كساها الله لحماً وعصباً وعروقاً وجلداً، وبعث الله ملكا فنفخ في منخري الحمار، فنهق بإذن الله عز وجل، وذلك كله بمرأى من العزيز، فعند ذلك لما تبين له هذا كله {قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي أنا عالم بهذا، وقد رأيته عيانا، فأنا أعلم أهل زماني بذلك، وقرأ آخرون "قال اعلم" على أنه أمر له بالعلم.
{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىَ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىَ وَلَكِن لّيَطْمَئِنّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مّنَ الطّيْرِ فَصُرْهُنّ إِلَيْكَ ثُمّ اجْعَلْ عَلَىَ كُلّ جَبَلٍ مّنْهُنّ جُزْءًا ثُمّ ادْعُهُنّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أن اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}
ذكروا لسؤال إبراهيم عليه السلام، أسباباً منها أنه لما قال لنمرود {رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} أحب أن يترقى من علم اليقين بذلك، إلى عين اليقين، وأن يرى ذلك مشاهدة، فقال {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} فأما الحديث الذي رواه البخاري عند هذه الآية: حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، أخبرني يونس عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، وسعيد عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال رب أرني كيف تحيي الموتى، قال: أو لم تؤمن ؟ قال: بلى، ولكن ليطمئن قلبي". وكذا رواه مسلم عن حرملة بن يحيى، عن وهب به، فليس المراد ههنا بالشك، ما قد يفهمه من لا علم عنده بلا خلاف، وقد أجيب عن هذا الحديث بأجوبة أحدها.