First Previous Next Last

فليعلم أن الله غني واسع العطاء، كريم جواد، ويجزيه بها، ويضاعفها له أضعافاً كثيرة، من يقرض غير عديم ولا ظلوم، وهو الحميد أي المحمود في جميع أفعاله وأقواله وشرعه وقدره، لا إله إلا هو، ولا رب سواه.
وقوله: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا هناد بن السري، حدثنا أبو الأحوص، عن عطاء بن السائب، عن مرة الهمداني، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة، فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير والتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله، فليحمد الله، ومن وجد الأخرى فليتعوذ من الشيطان" ثم قرأ {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً} الآية، وهكذا رواه الترمذي والنسائي في كتابي التفسير من سننهما جميعاً، عن هناد بن السري. وأخرجه ابن حبان في صحيحه، عن أبي يعلى الموصلي، عن هناد به، وقال الترمذي: حسن غريب، وهو حديث أبي الأحوص، يعني سلام بن سليم، لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديثه، كذا قال: وقد رواه أبو بكر بن مردويه في تفسيره، عن محمد بن أحمد¹ عن محمد بن عبد الله بن مسعود مرفوعاً نحوه¹ ولكن رواه مسعر عن عطاء بن السائب، عن أبي الأحوص عوف بن مالك بن نضلة، عن ابن مسعود، فجعله من قوله، والله أعلم، ومعنى قول تعالى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ} أي يخوفكم الفقر لتمسكوا ما بأيديكم فلا تنفقوه في مرضاة الله. {وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ} أي مع نهيه إياكم عن الإنفاق خشية الإملاق، يأمركم بالمعاصي والمآثم والمحارم ومخالفة الخلاق، قال تعالى: {والله يعدكم مغفرة منه} أي في مقابلة ما أمركم الشيطان بالفحشاء. {وَفَضْلاً} أي في مقابلة ما خوفكم الشيطان من الفقر {وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}
وقوله: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ} قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني المعرفة بالقرآن، ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدمه ومؤخره، وحلاله وحرامه، وأمثاله، وروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس مرفوعاً "الحكمة القرآن" يعني تفسيره، قال ابن عباس: فإنه قد قرأه البر والفاجر، رواه ابن مردويه، وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: يعني بالحكمة الإصابة في القول، وقال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ}: ليست بالنبوة، ولكنه العلم والفقه والقرآن، وقال أبو العالية: الحكمة خشية الله، فإن خشية الله رأس كل حكمة، وقد روى ابن مردويه من طريق بقية عن عثمان ابن زفر الجهني، عن أبي عمار الأسدي، عن ابن مسعود مرفوعاً "رأس الحكمة مخافة الله" وقال أبو العالية في رواية عنه: الحكمة الكتاب والفهم، وقال إبراهيم النخعي، الحكمة الفهم، وقال أبو مالك: الحكمة السنة، وقال ابن وهب، عن مالك، قال زيد بن أسلم: الحكمة العقل، قال مالك: وإنه ليقع في قلبي أن الحكمة هو الفقه في دين الله، وأمر يدخله الله في القلوب من رحمته وفضله، ومما يبين ذلك أنك تجد الرجل عاقلاً في أمر الدنيا إذا نظر فيها، وتجد آخر ضعيفاً في أمر دنياه، عالماً بأمر دينه بصيراً به، يؤتيه الله إياه ويحرمه هذا، فالحكمة الفقه في دين الله، وقال السدي: الحكمة النبوة، والصحيح أن الحكمة كما قال الجمهور: لا تختص بالنبوة بل هي أعم منها، وأعلاها النبوة، والرسالة أخص، ولكن لأتباع الأنبياء حظ من الخير على سبيل التبع، كما جاء في الأحاديث "من حفظ القرآن فقد أدرجت النبوة بين كتفيه غير أنه لا يوحى إليه" رواه وكيع بن الجراح في تفسيره، عن إسماعيل بن رافع، عن رجل لم يسمه، عن عبد الله بن عمر، وقوله: وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع ويزيد، قالا: حدثنا إسماعيل يعني ابن أبي خالد عن قيس وهو ابن أبي حازم، عن ابن مسعود، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يقول "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل