First Previous Next Last

وقوله: {وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأنْفُسِكُمْ} كقوله: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ} ونظائرها في القرآن كثيرة.
وقوله: {وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاّ ابْتِغَآءَ وَجْهِ اللّهِ} قال الحسن البصري: نفقة المؤمن لنفسه ولا ينفق المؤمن إذا أنفق إلا ابتغاء وجه الله، وقال عطاء الخراساني: يعني إذا أعطيت لوجه الله فلا عليك ما كان عمله. وهذا معنى حسن وحاصله أن المتصدق إذا تصدق ابتغاء وجه الله، فقد وقع أجره على الله، ولا عليه في نفس الأمر لمن أصاب ألبرّ أو فاجر أو مستحق أو غيره، وهو مثاب على قصده، ومستند هذا تمام الآية {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ} والحديث المخرج في الصحيحين من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال رجل لأتصدقنّ الليلة بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية، فأصبح الناس يتحدثون: تصدق على زانية، فقال: اللهم لك الحمد على زانية، لأتصدقن الليلة بصدقة فوضعها في يد غني، فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على غني، قال: اللهم لك الحمد على غني، لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج فوضعها في يد سارق فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على سارق، فقال: اللهم لك الحمد على زانية وعلى غني وعلى سارق، فأتي فقيل له: أما صدقتك فقد قبلت، وأما الزانية فلعلها أن تستعفف بها عن زنا، ولعل الغني يعتبر فينفق مما أعطاه الله، ولعل السارق أن يستعف بها عن سرقته".
وقوله: {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} يعني المهاجرين الذين انقطعوا إلى الله وإلى رسوله وسكنوا المدينة، وليس لهم سبب يردون به على أنفسهم ما يغنيهم و {لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ} يعني سفراً للتسبب في طلب المعاش والضرب في الأرض هو السفر، قال الله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي ال ْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ} وقال تعالى: {عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} الآية.
وقوله: {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ} أي الجاهل بأمرهم وحالهم يحسبهم أغنياء من تعففهم في لباسهم وحالهم ومقالهم، وفي هذا المعنى الحديث المتفق على صحته عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس المسكين بهذا الطواف الذي ترده التمرة والتمرتان، واللقمة واللقمتان، والأكلة والأكلتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنىً يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يسأل الناس شيئاً". رواه أحمد من حديث ابن مسعود أيضاً.
وقوله: {تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ} أي بما يظهر لذوي الألباب من صفاتهم، كما قال تعالى: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ} وقال {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} وفي الحديث الذي في السنن "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله" ثم قرأ {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ}.
وقوله: {لا يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلْحَافاً} أي لا يلحون في المسألة ويكلفون الناس ما لا يحتاجون إليه، فإن سأل وله ما يغنيه عن المسألة، فقد ألحق في المسألة، قال البخاري: حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شريك بن أبي نمر أن عطاء بن يسار وعبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري، قالا: سمعنا أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان، ولا اللقمة واللقمتان، إنما المسكين الذي يتعفف، إقرؤا إن شئتم يعني قوله: {لا يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلْحَافاً} وقد رواه مسلم من حديث إسماعيل بن جعفر المديني، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن عطاء بن يسار وحده، عن أبي هريرة به،