First Previous Next Last

المعاصي, ثم ينجي أصحاب المعاصي ويخلد فيها الكافرين, وهو الحاكم الذي لا يجور ولا يظلم, قال تعالى: {إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها} الآية, وقال {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً - إلى قوله - حَاسِبِينَ} والآيات في هذا كثيرة وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد, أخبرنا همام بن يحيى عن القاسم بن عبد الواحد المكي, عن عبد الله بن محمد بن عقيل أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: بلغني حديث عن رجل سمعه عن النبي صلى الله عليه وسلم, فاشتريت بعيراً ثم شددت عليه رحلاً, فسرت عليه شهراً حتى قدمت عليه الشام, فإذا عبد الله بن أنيس, فقلت للبواب: قل له جابر على الباب, فقال: ابن عبد الله ؟ قلت نعم, فخرج يطأ ثوبه فاعتنقني واعتنقته, فقلت: حديث بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم في القصاص, فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه, فقال سمعت رسول الله يقول: "يحشر الله عز وجل الناس يوم القيامة - أو قال العباد - عراة غرلاً بهما" قلت, وما بهما ؟ قال: "ليس معهم شيء, ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك, أنا الديان لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه, ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وله عند رجل من أهل النار حق حتى أقصه منه حتى اللطمة "قال: قلنا كيف وإنما نأتي الله عز وجل حفاة عراة غرلاً بهما ؟ قال: "بالحسنات والسيئات".
وعن شعبة عن العوام بن مزاحم عن أبي عثمان عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الجماء لتقتص من القرناء يوم القيامة" رواه عبد الله بن الإمام أحمد, وله شواهد من وجوه أخر, وقد ذكرناها عند قوله تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً} وعند قوله تعالى: {إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ}.
{وَإِذَا قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لاَدَمَ فَسَجَدُوَاْ إِلاّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبّهِ أَفَتَتّخِذُونَهُ وَذُرّيّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلاً}
يقول تعالى منبهاً بني آدم على عدواة إبليس لهم ولأبيهم من قبلهم, ومقرعاً لمن اتبعه منهم وخالف خالقه ومولاه, وهو الذي أنشأه وابتداه وبألطافه رزقه وغذاه, ثم بعد هذا كله والى إبليس وعادى الله, فقال تعالى: {وَإِذَا قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ} أي لجميع الملائكة كما تقدم تقريره في أول سورة البقرة {اسْجُدُواْ لاَدَمَ} أي سجود تشريف وتكريم وتعظيم, كما قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ}. وقوله: {فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ} أي خانه أصله, فإنه خلق من مارج من نار, وأصل خلق الملائكة من نور, كما ثبت في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "خلقت الملائكة من نور, وخلق إبليس من مارج من نار, وخلق آدم مما وصف لكم", فعند الحاجة نضح كل وعاء بما فيه, وخانه الطبع عند الحاجة وذلك أنه كان قد توسم بأفعال الملائكة وتشبه بهم وتعبد وتنسك, فلهذا دخل في خطابهم وعصى بالمخالفة, ونبه تعالى ههنا على أنه من الجن أي على أنه خلق من نار, كما قال: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} قال الحسن البصري: ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط, وإنه لأصل الجن, كما أن آدم عليه السلام أصل البشر, رواه ابن جرير بإسناد صحيح عنه.
وقال الضحاك عن ابن عباس: كان إبليس من حي من أحياء الملائكة يقال لهم الجن, خلقوا من نار السموم من بين الملائكة, وكان اسمه الحارث,وكان