First Previous Next Last

وأخبر قبل موته بقليل أنه لا يبقى ممن هو على وجه الأرض إلى مائة سنة من ليلته تلك عين تطرف, إلى غير ذلك من الدلائل.
قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم, حدثنا ابن المبارك عن معمر عن همام بن منبه, عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في الخضر قال: "إنما سمي خضراً لأنه جلس على فروة بيضاء, فإذ هي تهتز من تحته خضراء" ورواه أيضاً عن عبد الرزاق, وقد ثبت أيضاً في صحيح البخاري عن همام عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنما سمي الخضر لأنه جلس على فروة, فإذا هي تهتز من تحته خضراء" والمراد بالفروة ههنا الحشيش اليابس وهو الهشيم من النبات, قاله عبد الزراق. وقيل: المراد بذلك وجه الأرض. وقوله: {ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً} أي هذا تفسير ما ضقت به ذرعاً, ولم تصبر حتى أخبرك به ابتداء, ولما أن فسره له وبينه ووضحه وأزال المشكل قال {تَسْطِعْ} وقبل ذلك كان الإشكال قوياً ثقيلاً, فقال {سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً}, فقابل الأثقل بالأثقل, والأخف بالأخف, كما قال: {فما اسطاعوا أن يظهروه} وهو الصعود إلى أعلاه {وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً} وهو أشق من ذلك, فقابل كلاً بما يناسبه لفظاً ومعنى, والله أعلم.
فإن قيل: فما بال فتى موسى ذكر في أول القصة ثم لم يذكر بعد ذلك ؟ فالجواب أن المقصود بالسياق إنما هو قصة موسى مع الخضر وذكر ما كان بينهما, وفتى موسى معه تبع, وقد صرح في الأحاديث المتقدمة في الصحاح وغيرها أنه يوشع بن نون, وهو الذي كان يلي بني إسرائيل بعد موسى عليه السلام, هذا يدل على ضعف ما أورده ابن جرير في تفسيره حيث قال: حدثنا ابن حميد, حدثنا سلمة: حدثني ابن إسحاق عن الحسن بن عمارة عن أبيه عن عكرمة قال: قيل لابن عباس: لم نسمع لفتى موسى بذكر من حديث, وقد كان معه ؟ قال ابن عباس فيما يذكر من حديث الفتى, قال: شرب الفتى من الماء فخلد, فأخذه العالم فطابق به سفينة, ثم أرسله في البحر فإنها لتموج به إلى يوم القيامة, وذلك أنه لم يكن له أن يشرب منه فشرب, إسناده ضعيف, والحسن متروك, وأبوه غير معروف.
{وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مّنْهُ ذِكْراً إِنّا مَكّنّا لَهُ فِي الأرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلّ شَيْءٍ سَبَباً}
يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم {وَيَسْأَلُونَكَ} يا محمد {عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ} أي عن خبره وقد قدمنا أنه بعث كفار مكة إلى أهل الكتاب يسألون منهم ما يمتحنون به النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: سلوه عن رجل طواف في الأرض, وعن فتية لا يدرى ما صنعوا, وعن الروح, فنزلت سورة الكهف, وقد أورد ابن جرير ههنا والأموي في مغازيه حديثاً أسنده, وهو ضعيف, عن عقبة بن عامر أن نفراً من اليهود جاءوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن ذي القرنين, فأخبرهم بما جاءوا له ابتداء, فكان فيما أخبرهم به أنه كان شاباً من الروم, وأنه بنى الاسكندرية, وأنه علا به ملك إلى السماء وذهب به إلى السد, ورأى أقواماً وجوههم مثل وجه الكلاب, وفيه طول ونكارة, ورفعه لا يصح, وأكثر ما فيه أنه من أخبار بني إسرائيل.
والعجب أن أبا زرعة الرازي مع جلالة قدره, ساقه بتمامه في كتابه دلائل النبوة, وذلك غريب منه, وفيه من النكارة أنه من الروم, وإنما الذي كان من الروم الاسكندر الثاني, وهو ابن فيلبس المقدوني الذي تؤرخ به الروم, فأما الأول فقد ذكر الأزرقي وغيره أنه طاف بالبيت مع إبراهيم الخليل عليه السلام أول ما بناه وآمن به واتبعه, وكان