First Previous Next Last

عن الأعمش عن شمر عن أبي يحيى, عن كعب قال: يؤتى يوم القيامة برجل عظيم طويل, فلا يزن عند الله جناح بعوضة, اقرءوا {فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً}. وقوله: {ذَلِكَ جَزَآؤُهُمْ جَهَنّمُ بِمَا كَفَرُواْ} أي إنما جازيناهم بهذا الجزاء بسبب كفرهم واتخاذهم آيات الله ورسله هزواً, استهزءوا بهم وكذبوهم أشد التكذيب.
{إِنّ الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً}
يخبر تعالى عن عباده السعداء وهم الذين آمنوا بالله ورسوله, وصدقوا المرسلين فيما جاءوا به, أن لهم جنات الفردوس, قال مجاهد: الفردوس هو البستان بالرومية. وقال كعب والسدي والضحاك: هو البستان الذي فيه شجر الأعناب, وقال أبو أمامة: الفردوس سرة الجنة, وقال قتادة: الفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها, وقد روي هذا مرفوعاً من حديث سعيد بن بشير عن قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "الفردوس ربوة الجنة أوسطها وأحسنها". وهكذا رواه إسماعيل بن مسلم عن الحسن عن سمرة مرفوعاً وروي عن قتادة عن أنس بن مالك مرفوعاً بنحوه روى ذلك كله ابن جرير رحمه الله, وفي الصحيحين "إذا سألتم الله الجنة, فاسألوه الفردوس فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة, ومنه تفجر أنهار الجنة". وقوله تعالى: {نُزُلاً} أي ضيافة, فإن النزل الضيافة. وقوله {خَالِدِينَ فِيهَا} أي مقيمين ساكنين فيها لا يظعنون عنها أبداً {لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً} أي لا يختارون عنها غيرها ولا يحبون سواها, كما قال الشاعر:
فحلت سويدا القلب لا أنا باغياً سواها ولا عن حبها أتحول
وفي قوله: {لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً} تنبيه على رغبتهم فيها وحبهم لها, مع أنه قد يتوهم فيمن هو مقيم في المكان دائماً أنه قد يسأمه أو يمله, فأخبر أنهم مع هذا الدوام والخلود السرمدي لا يختارون عن مقامهم ذلك متحولاً ولا انتقالاً ولا ظعناً ولا رحلة ولا بدلاً.
{قُل لّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لّكَلِمَاتِ رَبّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً}
يقول تعالى: قل يا محمد لو كان ماء البحر مداداً للقلم الذي يكتب به كلمات الله وحكمه وآياته الدالة عليه, لنفد البحر قبل أن يفرغ كتابة ذلك {وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً} أي بمثل البحر آخر, ثم آخر وهلم جراً بحور تمده ويكتب بها, لما نفدت كلمات الله, كما قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} وقال الربيع بن أنس: إن مثل علم العباد كلهم في علم الله كقطرة من ماء البحور كلها, وقد أنزل الله ذلك {قُل لّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لّكَلِمَاتِ رَبّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبّي} يقول لو كانت تلك البحور مداداً لكلمات الله, والشجر كله أقلام لانكسرت الأقلام, وفني ماء البحر, وبقيت كلمات الله قائمة لا يفنيها شيء, لأن أحداً لا يستطيع أن يقدر قدره ولا يثني عليه كما ينبغي حتى يكون هو الذي يثني نفسه, إن ربنا كما يقول وفوق ما نقول, إن مثل نعيم الدنيا أولها وآخرها في نعيم الآخرة كحبة من خردل في خلال الأرض كلها.
{قُلْ إِنّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يُوحَىَ إِلَيّ أَنّمَآ إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ رَبّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبّهِ أَحَدَا}