First Previous Next Last

أذكره} وذكر الله تعالى يطرد الشيطان فإذا ذهب الشيطان ذهب النسيان, فذكر الله تعالى سبب للذكر, ولهذا قال: {وَاذْكُر رّبّكَ إِذَا نَسِيتَ} وقوله: {وَقُلْ عَسَىَ أَن يَهْدِيَنِ رَبّي لأقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً} أي إذا سئلت عن شيء لا تعلمه, فاسأل الله تعالى فيه, وتوجه إليه في أن يوفقك للصواب والرشد في ذلك, وقيل في تفسيره غير ذلك, والله أعلم.
{وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُواْ تِسْعاً قُلِ اللّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ لَهُ غَيْبُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مّن دُونِهِ مِن وَلِيّ وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً}
هذا خبر من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم بمقدار ما لبث أصحاب الكهف في كهفهم منذ أرقدهم إلى أن بعثهم الله وأعثر عليهم أهل ذلك الزمان, وأنه كان مقداره ثلاثمائة سنة تزيد تسع سنين بالهلالية, وهي الثلاثمائة سنة بالشمسية, فإن تفاوت ما بين كل مائة سنة بالقمرية إلى الشمسية ثلاث سنين, فلهذا قال: بعد ثلاثمائة وازدادوا تسعاً. وقوله: {قُلِ اللّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ} أي إذا سئلت عن لبثهم وليس عندك علم في ذلك وتوقيف من الله تعالى فلا تتقدم فيه بشيء, بل قل في مثل هذا {اللّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ لَهُ غَيْبُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} أي لا يعلم ذلك إلا هو ومن أطلعه عليه من خلقه, وهذا الذي قلناه عليه غير واحد من علماء التفسير كمجاهد وغير واحد من السلف والخلف.
وقال قتادة في قوله: {وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِئَةٍ سِنِينَ} الآية, هذا قول أهل الكتاب, وقد ردّه الله تعالى بقوله: {قُلِ اللّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ} قال: وفي قراءة عبد الله وقالوا: {وَلَبِثُواْ}, يعني أنه قاله الناس, وهكذا قال كما قال قتادة مطرف بن عبد الله, وفي هذا الذي زعمه قتادة نظر, فإن الذي بأيدي أهل الكتاب أنهم لبثوا ثلاثمائة سنة من غير تسع, يعنون بالشمسية, ولو كان الله قد حكى قولهم لما قال: وازدادوا تسعاً, والظاهر من الآية إنما هو إخبار من الله لا حكاية عنهم, وهذا اختيار ابن جرير رحمه الله, ورواية قتادة قراءة ابن مسعود منقطعة, ثم هي شاذة بالنسبة إلى قراءة الجمهور, فلا يحتج بها, والله أعلم.
وقوله: {أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ} أي أنه لبصير بهم سميع لهم, قال ابن جرير: وذلك في معنى المبالغة في المدح, كأنه قيل: ما أبصره وأسمعه, وتأويل الكلام ما أبصر الله لكل موجود, وأسمعه لكل مسموع, لا يخفى عليه من ذلك شيء. ثم روي عن قتادة في قوله: {أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ} فلا أحد أبصر من الله ولا أسمع. وقال ابن زيد {أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ} يرى أعمالهم ويسمع ذلك منهم سميعاً بصيراً. وقوله: {مَا لَهُم مّن دُونِهِ مِن وَلِيّ وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً} أي أنه تعالى هو الذي له الخلق والأمر, الذي لا معقب لحكمه, وليس له وزير ولا نصير ولا شريك ولا مشير, تعالى وتقدس.
{وَاتْلُ مَآ أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبّكَ لاَ مُبَدّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً}
يقول تعالى آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم بتلاوة كتابه العزيز وإبلاغه إلى الناس {لا مبدل لكلماته} أي لا مغير لها ولا محرّف ولا مزيل. وقوله: {وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً} عن مجاهد {ملتحداً} قال: ملجأ. وعن قتادة: