الناس زمان يقرؤون القرآن، فيقرؤونه ويعلمونه، فيقولون: قد قرأنا وقد علمنا فمن هذا الذي هو خير منا ؟ فما في أولئك من خير" قالوا: يا رسول الله، فمن أولئك ؟ قال "أولئك منكم، وأولئك هم وقود النار" ثم رواه من طريق موسى بن عبيد، عن محمد بن إبراهيم عن بنت الهاد عن العباس بن عبد المطلب بنحوه.
وقوله تعالى: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ} قال الضحاك عن ابن عباس: كصنيع آل فرعون، وكذا روي عن عكرمة ومجاهد وأبي مالك والضحاك وغير واحد، ومنهم من يقول: كسنة آل فرعون، وكفعل آل فرعون، وكشبه آل فرعون، والألفاظ متقاربة، والدأب بالتسكين والتحريك كنهر ونهر، هو الصنيع والحال والشأن والأمر والعادة، كما يقال لا يزال هذا دأبي ودأبك، وقال امرؤ القيس:
| وقوفاً بها صحبي عليّ مطيهم |
يقولون لا تأسف أسى وتجمل |
| كدأبك من أم الحويرث قبلها |
وجارتها أم الرباب بمأسل |
والمعنى كعادتك في أم الحويرث حين أهلكت نفسك في حبها وبكيت دارها ورسمها، والمعنى في الآية أن الكافرين لا تغني عنهم الأموال ولا الأولاد، بل يهلكون ويعذبون كما جرى لأل فرعون ومن قبلهم من المكذبين للرسل فيما جاؤوا به من آيات الله وحججه،
{وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ}أي شديد الأخذ أليم العذاب لا يمتنع منه أحد ولا يفوته شيء، بل هو الفعال لما يريد الذي قد غلب كل شيء وذَلّ له كل شي، لا إله غيره ولا رب سواه.
{قُلْ لّلّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىَ جَهَنّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَىَ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللّهُ يُؤَيّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ أن فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لاُوْلِي الأبْصَارِ}
يقول تعالى: قل يا محمد للكافرين
{سَتُغْلَبُونَ} أي في الدنيا،
{وَتُحْشَرُونَ} أي يوم القيامة
{إِلَىَ جَهَنّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار عن عاصم بن عمر بن قتادة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أصاب من أهل بدر ما أصاب، ورجع إلى المدينة، جمع اليهود في سوق بني قينقاع، وقال:
"يا معشر يهود أسلموا قبل أن يصيبكم الله بما أصاب قريشاً". فقالوا: يا محمد لا يغرنك من نفسك أن قتلت نفراً من قريش كانوا أغماراً لا يعرفون القتال، إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا، فأنزل الله في ذلك قوله: {قُلْ لّلّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىَ جَهَنّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ - إلى قوله - لَعِبْرَةً لاُوْلِي الأبْصَارِ} وقد رواه محمد بن إسحاق أيضاً، عن محمد بن أبي محمد، عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عباس، فذكره، ولهذا قال تعالى:
{قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ} أي قد كان لكم أيها اليهود القائلون ما قلتم
{آيَةٌ}، أي دلالة على أن الله معز دينه، وناصر رسوله، ومظهر كلمته، ومعل أمره
{فِي فِئَتَيْنِ} أي طائفتين
{الْتَقَتَا} أي للقتال
{فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ} وهم مشركوا قريش يوم بدر، وقوله:
{يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ} قال بعض العلماء فيما حكاه ابن جرير: يرى المشركون يوم بدر المسلمين مثليهم في العدد رأي أعينهم، أي جعل الله ذلك فيما رأوه سبباً لنصرة الإسلام عليهم، وهذا لا إشكال عليه إلا من جهة واحدة، وهي أن المشركين بعثوا عمر بن سعد يومئذٍ قبل القتال يَحْزِر لهم المسلمين،