شهد تعالى وكفى به شهيداً وهو أصدق الشاهدين وأعدلهم، وأصدق القائلين {أَنّهُ لاَ إِلَهَ إِلاّ هُوَ} أي المنفرد بالإلهية لجميع الخلائق، وأن الجميع عبيده وخلقه وفقراء إليه، وهو الغني عما سواه، كما قال تعالى: {لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ} الآية، ثم قرن شهادة ملائكته وأولي العلم بشهادته، فقال {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ} وهذه خصوصية عظيمة للعلماء في هذا المقام {قائماً بالقسط} منصوب على الحال وهو في جميع الأحوال كذلك {لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} تأكيد لما سبق، {الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} العزيز الذي لا يرام جنابه عظمةً وكبرياءً، الحكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره، وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا بقية بن الوليد حدثني جبير بن عمرو القرشي، حدثنا أبو سعيد الأنصاري عن أبي يحيى مولى آل الزبير بن العوام، عن الزبير بن العوام، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم وهو بعرفة يقرأ هذه الآية {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} وأنا على ذلك من الشاهدين يا رب، وقد رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر فقال: حدثنا علي بن حسين، حدثنا محمد بن المتوكل العسقلاني، حدثنا عمر بن حفص بن ثابت أبو سعيد الأنصاري، حدثنا عبد الملك بن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن جده عن الزبير، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قرأ هذه الآية {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ} قال: "وأنا أشهد أي رب" وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني في المعجم الكبير: حدثنا عبدان بن أحمد وعلي بن سعيد الرازي، قالا: حدثنا عمار بن عمر بن المختار، حدثني أبي، حدثني غالب القطان قال: أتيت الكوفة في تجارة، فنزلت قريباً من الأعمش، فلما كانت ليلة أردت أن أنحدر قام فتهجد من الليل فمر بهذه الآية {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الأِسْلامُ} ثم قال الأعمش: وأنا أشهد بما شهد الله به، وأستودع الله هذه الشهادة وهي لي عند الله وديعة {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الأِسْلامُ} قالها مراراً، قلت: لقد سمع فيها شيئاً فغدوت إليه فودعته ثم قلت: يا أبا محمد، إني سمعتك تردد هذه الآية، قال: أو ما بلغك ما فيها ؟ قلت: أنا عندك منذ شهر لم تحدثني. قال: والله لا أحدثك بها إلى سنة، فأقمت سنة، فكنت على بابه، فلما مضت السنة قلت: يا أبا محمد، قد مضت السنة قال: حدثني أبو وائل عن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يجاء بصاحبها يوم القيامة، فيقول الله عز وجل: عبدي عهد إليّ وأنا أحق من وفى بالعهد، أدخلوا عبدي الجنة"، وقوله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الأِسْلامُ} إخبار منه تعالى بأنه لا دين عنده يقبله من أحد سوى الإسلام، وهوا تباع الرسل فيما بعثهم الله به في كل حين حتى ختموا بمحمد صلى الله عليه وسلم الذي سد جميع الطرق إليه إلا من جهة محمد صلى الله عليه وسلم، فمن لقي الله بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم بدين على غير شريعته فليس بمتقبل، كما قال تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} الآية، وقال في هذه الآية مخبراً بانحصار الدين المتقبل عنده في الإسلام {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الأِسْلامُ}، وذكر ابن جرير أن ابن عباس قرأ {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الأِسْلامُ}، بكسر إنه، وفتح أن الدين عند الله الإسلام، أي شهد هو والملائكة وأولوا العلم من البشر بأن الدين عند الله الإسلام، والجمهور قرؤوها بالكسر على الخبر، وكلا المعنيين صحيح، ولكن هذا على قول الجمهور أظهر، والله أعلم، ثم أخبر تعالى بأن الذين أوتوا الكتاب الأول، إنما اختلفوا بعد ما قامت عليهم الحجة بإرسال الرسل إليهم وإنزال الكتب عليهم، فقال: {وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ