First Previous Next Last

عز وجل من شر الشيطان، وعوذت ذريتها وهو ولدها عيسى عليه السلام، فاستجاب الله لها ذلك، كما قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله "ما من مولود يولد إلا مسه الشيطان حين يولد، فيستهل صارخاً من مسه إياه، إلا مريم وابنها" ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا أن شئتم {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}، أخرجاه من حديث عبد الرزاق، ورواه ابن جرير عن أحمد بن الفرج، عن بقية، عن الزهري عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه، وروى من حديث قيس، عن الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من مولود إلا وقد عصره الشيطان عصرةً أو عصرتين، إلا عيسى ابن مريم ومريم" ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} ومن حديث العلاء عن أبيه عن أبي هريرة، ورواه مسلم عن أبي الطاهر، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن أبي يونس، عن أبي هريرة. ورواه ابن وهب أيضاً، عن ابن أبي ذئب، عن عجلان مولى المشْمَعِلّ، عن أبي هريرة. ورواه محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بأصل الحديث. وهكذا رواه الليث بن سعد، عن جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، قال: قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبه حين تلده أمه إلا عيسى ابن مريم، ذهب يطعن، فطعن في الحجاب".
{فَتَقَبّلَهَا رَبّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفّلَهَا زَكَرِيّا كُلّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَمَرْيَمُ أَنّىَ لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ أن اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}
يخبر ربنا أنه تقبلها من أمها نذيرة، وأنه {أَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً}، أي جعلها شكلاً مليحاً ومنظراً بهيجاً، ويسر لها أسباب القبول، وقرنها بالصالحين من عباده تتعلم منهم العلم والخير والدين، فلهذا قال {وَكَفّلَهَا زَكَرِيّا} وفي قراءة: {وَكَفّلَهَا زَكَرِيّا} بتشديد الفاء، ونصب زكريا على المفعولية، أي جعله كافلاً لها. قال ابن إسحاق: وما ذلك إلا أنها كانت يتيمة. وذكر غيره: أن بني إسرائيل أصابتهم سنة جدب، فكفل زكريا مريم لذلك، ولا منافاة بين القولين¹ والله أعلم. وإنما قدر الله كون زكريا كافلها لسعادتها، لتقتبس منه علماً جماً نافعاً وعملاً صالحاً، ولأنه كان زوج خالتها على ما ذكره ابن إسحاق وابن جرير وغيرهما، وقيل: زوج أختها، كما ورد في الصحيح "فإذا بيحيى وعيسى وهما ابنا الخالة" وقد يطلق على ما ذكره ابن إسحاق ذلك أيضاً توسعاً، فعلى هذا كانت في حضانة خالتها وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في عمارة بنت حمزة أن تكون في حضانة خالتها امرأة جعفر بن أبي طالب، وقال: "الخالة بمنزلة الأم"، ثم أخبر تعالى عن سيادتها وجلالتها في محل عبادتها، فقال {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً}. قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وأبو الشعثاء وإبراهيم النخعي والضحاك وقتادة والربيع بن أنس وعطية العوفي والسدي: يعني وجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف. وعن مجاهد {وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً} أي علماً، أو قال: صحفاً فيها علم، رواه ابن أبي حاتم، والأول أصح وفيه دلالة على كرامات الأولياء. وفي السنة لهذا نظائر كثيرة، فإذا رأى زكريا هذا عندها {قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا} أي يقول من أين لك هذا ؟ {قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}. وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا سهل بن زنجلة، حدثنا عبد الله بن صالح حدثنا عبد الله بن لهيعة، عن محمد بن