First Previous Next Last

وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن عبد الملك القرشي، حدثنا جعفر بن سليمان عن ثابت وأحسبه عن أنس، قال: كان رجل من الأنصار مريضاً، فجاءه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده، فوافقه في السوق فسلم عليه، فقال له "كيف أنت يا فلان" ؟ قال: بخير يا رسول الله، أرجو الله وأخاف ذنوبي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يجتمعان في قلب عبد في هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو وآمنه مما يخاف"، ثم قال: لا نعلم رواه عن ثابت غير جعفر بن سليمان، وهكذا رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديثه، ثم قال الترمذي: غريب، وقد رواه بعضهم عن ثابت مرسلاً، فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن أبي بشر، عن يوسف بن ماهك، عن حكيم بن حزام، قال: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أخر إلا قائماً، ورواه النسائي في سننه عن إسماعيل بن مسعود عن خالد بن الحارث عن شعبة به، وترجم عليه فقال (باب كيف يخر للسجود)، ثم ساقه مثله فقيل: معناه أن لا أموت إلا مسلماً، وقيل: معناه أن لا أقتل إلا مقبلاً غير مدبر وهو يرجع إلى الأول.
وقوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا} قيل {بِحَبْلِ اللَّهِ} أي بعهد الله، كما قال في الآية بعدها {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ} أي بعهد وذمة، وقيل {بِحَبْلِ مِن اللَّهِ} يعني القرآن كما في حديث الحارث الأعور عن علي مرفوعاً في صفة القرآن "هو حبل الله المتين وصراطه المستقيم".
وقد ورد في ذلك حديث خاص بهذا المعنى، فقال الإمام الحافظ أبو جعفر الطبري: حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، حدثنا أسباط بن محمد عن عبد الملك بن أبي سليمان العَرْزَمي عن عطية، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض".
وروى ابن مردويه من طريق إبراهيم بن مسلم الهجري عن أبي الأحوص، عن عبد الله رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن هذا القرآن هو حبل الله المتين، وهو النور المبين، وهو الشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه"، وروى من حديث حذيفة وزيد بن أرقم نحو ذلك. وقال وكيع: حدثنا الأعمش عن أبي وائل قال: قال عبد الله: أن هذا الصراط محتضر يحضره الشياطين. يا عبد الله هذا الطريق، هلم إلى الطريق فاعتصموا بحبل الله فإن حبل الله القرآن.
وقوله: {وَلا تَفَرَّقُوا} أمرهم بالجماعة ونهاهم عن التفرقة، وقد وردت الأحاديث المتعددة بالنهي عن التفرق، والأمر بالاجتماع والائتلاف، كما في صحيح مسلم من حديث سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله يرضى لكم ثلاثاً، ويسخط لكم ثلاثاً، يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم، ويسخط لكم ثلاثا: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال" وقد ضمنت لهم العصمة عند اتفاقهم من الخطأ، كما وردت بذلك الأحاديث المتعددة أيضاً، وخيف عليهم الافتراق والاختلاف، وقد وقع ذلك في هذه الأمة فافترقوا على ثلاث وسبعين فرقة، منها فرقة ناجية إلى الجنة ومسلمة من عذاب النار، وهم الذين على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
وقوله تعالى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً} إلى آخر الآية، وهذا السياق في شأن الأوس والخزرج، فإنه قد كان بينهم حروب كثيرة في الجاهلية، وعداوة