بَالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ} ولهذا قال ههنا {وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} أي هو ذو العزة التي لا ترام، والحكمة في قدره والأحكام، ثم قال تعالى: {لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} أي أمركم بالجهاد والجلاد لما له في ذلك من الحكمة في كل تقدير، ولهذا ذكر جميع الأقسام الممكنة في الكفار المجاهدين، فقال: {لِيَقْطَعَ طَرَفاً} أي ليهلك أمة {مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ} أي يخزيهم ويردهم بغيظهم لما لم ينالوا منكم ما أرادوا. ولهذا قال: {أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا} أي يرجعوا {خَائِبِينَ} أي لم يحصلوا على ما أملوا. ثم اعترض بجملة دلت على أن الحكم في الدنيا والآخرة له وحده لا شريك له، فقال تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ} أي بل الأمر كله إليّ، كما قال تعالى: {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ} وقال {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} وقال {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} قال محمد بن إسحاق في قوله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ} أي ليس لك من الحكم شيء في عبادي إلا ما أمرتك به فيهم، ثم ذكر تعالى بقية الأقسام، فقال {أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} أي مما هم فيه من الكفر فيهديهم بعد الضلالة {أَوْ يُعَذِّبَهُمْ} أي في الدنيا والآخرة على كفرهم وذنوبهم، ولهذا قال {فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} أي يستحقون ذلك. وقال البخاري: حدثنا حبان بن موسى، أنبأنا عبد الله، أنبأنا معمر عن الزهري، حدثني سالم عن أبيه، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الثانية من الفجر "اللهم العن فلاناً وفلاناً" بعدما يقول سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد" فأنزل الله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ} الآية وهكذا رواه النسائي من حديث عبد الله بن المبارك وعبد الرزاق، كلاهما عن معمر به. وقال الإمام أحمد حدثنا أبو النضر حدثنا أبو عقيل - قال أحمد: وهو عبد الله بن عقيل صالح الحديث ثقة - حدثنا عمر بن حمزة عن سالم عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "اللهم العن فلاناً، اللهم العن الحارث بن هشام، اللهم العن سهيل بن عمرو، اللهم العن صفوان بن أمية" فنزلت هذه الآية {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} فتيب عليهم كلهم وقال أحمد: حدثنا أبو معاوية الغَلابي، حدثنا خالد بن الحارث، حدثنا محمد بن عجلان عن نافع، عن عبد الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو على أربعة، قال: فأنزل الله {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ} إلى آخر الآية، قال: وهداهم الله للإسلام. وقال محمد بن عجلان عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال، كان رسول الله يدعو على رجال من المشركين يسميهم بأسمائهم، حتى أنزل الله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ} الآية، وقال البخاري أيضاً: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يدعو على أحد، أو يدعو لأحد، قنت بعد الركوع وربما قال: إذا قال "سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد: اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف" يجهر بذلك. وكان يقول في بعض صلاته في صلاة الفجر "اللهم العن فلاناً وفلاناً" لأحياء من أحياء العرب، حتى أنزل الله {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ} الآية.
وقال البخاري: قال حميد وثابت، عن أنس بن مالك: شج النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد، فقال: "كيف يفلح قوم شجوا نبيهم ؟" فنزلت {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ} وقد أسند هذا الحديث الذي علقه البخاري في صحيحه، فقال البخاري في غزوة أحد: حدثنا يحيى بن عبد الله السلمي، أخبرنا عبد الله، أخبرنا معمر عن الزهري، حدثني