والمكره والصحة والمرض وفي جميع الأحوال، كما قال {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلانِيَةً} والمعنى أنهم لا يشغلهم أمر عن طاعة الله تعالى والإنفاق في مراضيه. والإحسان إلى خلقه من قراباتهم وغيرهم بأنواع البر. وقوله تعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} أي إذا ثار بهم الغيظ كظموه بمعنى كتموه فلم يعملوه، وعفوا مع ذلك عمن أساء إليهم. وقد ورد في بعض الآثار "يقول الله تعالى: يا ابن آدم اذكرني إذا غضبت، أذكرك إذا غضبت فلا أهلكك فيمن أهلك"، رواه ابن أبي حاتم، وقد قال أبو يعلى في مسنده: حدثنا أبو موسى الزمن، حدثنا عيسى بن شعيب الضرير أبو الفضل، حدثني الربيع بن سليمان الجيري عن أبي عمرو بن أنس بن مالك، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كف غضبه، كف الله عنه عذابه، ومن خزن لسانه، ستر الله عورته، ومن اعتذر إلى الله، قبل الله عذره" وهذا حديث غريب، وفي إسناده نظر، وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا مالك عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس الشديد بالصرعة، ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" وقد رواه الشيخان من حديث مالك. وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن إبراهيم التيمي، عن الحارث بن سويد، عن عبد الله وهو ابن مسعود رضي الله عنه، قال: قال رسول الله "أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله" قال: قالوا: يا رسول الله ما منا أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه، قال "اعلموا أنه ليس منكم أحد إلا مال وارثه أحب إليه من ماله، مالك من مالك إلا ما قدمت، ومالُ وارثك ما أخرْتَ" قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما تعدون الصرعة فيكم ؟" قلنا: الذي لا تصرعه الرجال. قال "لا ولكن الذي يملك نفسه عند الغضب". قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما تعدون فيكم الرقوب ؟" قلنا: الذي لا ولد له. قال "لا، ولكن الرقوب الذي لم يقدم من ولده شيئاً" أخرج البخاري الفصل الأول منه، وأخرج مسلم أصل هذا الحديث، من رواية الأعمش به.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة سمعت عروة بن عبد الله الجعفي يحدث عن حصبة أو ابن أبي حصين، عن رجل شهد النبي صلى الله عليه وسلم يخطب، فقال: "تدرون ما الرقوب ؟" قلنا: الذي لا ولد له، قال "الرقوب كل الرقوب الذي له ولد فمات ولم يقدم منهم شيئاً" قال "تدرون ما الصعلوك ؟" قالوا: الذي ليس له مال، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الصعلوك كل الصعلوك الذي له مال فمات ولم يقدم منه شيئاً" قال: ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما الصرعة ؟" قالوا: الصريع قال فقال صلى الله عليه وسلم: "الصرعة كل الصرعة الذي يغضب فيشتد غضبه ويحمر وجهه ويقشعر شعره فيصرع غضبه".
(حديث آخر) - قال الإمام أحمد: حدثنا ابن نمير، حدثنا هشام بن عروة عن أبيه، عن الأحنف بن قيس، عن عم له يقال له جارية بن قدامة السعدي، أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، قل لي قولاً ينفعني وأقلل عليّ لعلي أعيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تغضب" فأعاد عليه حتى أعاد عليه مراراً كل ذلك يقول "لا تغضب"، وهكذا رواه عن أبي معاوية عن هشام به، ورواه أيضاً عن يحيى بن سعيد القطان عن هشام به، أن رجلاً قال: يا رسول الله، قل لي قولاً وأقلل عليّ لعلي أعقله، فقال "لا تغضب" الحديث، انفرد به أحمد.
(حديث آخر) - قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال رجل: يا رسول الله أوصني، قال: "لا تغضب". قال الرجل: ففكرت