First Previous Next Last

أخذت قطعة من حصير فأحرقتها حتى إذا صارت رماداً ألصقته بالجرح فاستمسك الدم، وقوله تعالى: {فَأَثَابَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ} أي فجزاكم غماً على غم، كما تقول العرب: نزلت ببني فلان، ونزلت على بني فلان. وقال ابن جرير: وكذا قوله: {وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} أي على جذوع النخل، قال ابن عباس: الغم الأول بسبب الهزيمة، وحين قيل قتل محمد صلى الله عليه وسلم، والثاني حين علاهم المشركون فوق الجبل، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم ليس لهم أن يعلونا" وعن عبد الرحمن بن عوف: الغم الأول بسبب الهزيمة، والثاني حين قيل قتل محمد صلى الله عليه وسلم كان ذلك عندهم أشد وأعظم من الهزيمة، رواهما ابن مردويه، وروي عن عمر بن الخطاب نحو ذلك، وذكر ابن أبي حاتم، عن قتادة نحو ذلك أيضاً وقال السدي: الغم الأول بسبب ما فاتهم من الغنيمة والفتح، والثاني يإشراف العدو عليهم، وقال محمد بن إسحاق {فَأَثَابَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ} أي كرباً بعد كرب قتل مَنْ قتل من إخوانكم، وعلو عدوكم عليكم، وما وقع في أنفسكم من قول من قال: قتل نبيكم، فكان ذلك متتابعاً عليكم غماً بغم، وقال مجاهد وقتادة: الغم الأول سماعهم قتل محمد، والثاني ما أصابهم من القتل والجراح، وعن قتادة والربيع بن أنس عكسه. وعن السدي: الأول ما فاتهم من الظفر والغنيمة، والثاني إشراف العدو عليهم، وقد تقدم هذا القول عن السدي. قال ابن جرير: وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال {فَأَثَابَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ} فأثابكم بغمكم أيها المؤمنون بحرمان الله إياكم غنيمة المشركين والظفر بهم والنصر عليهم، وما أصابكم من القتل والجراح، يومئذ بعد الذي كان قد أراكم في كل ذلك ما تحبون بمعصيتكم أمر ربكم، وخلافكم أمر نبيكم صلى الله عليه وسلم غم ظنكم أن نبيكم قد قتل وميل العدو عليكم بعد فلولكم منهم. وقوله تعالى: {لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ} أي على ما فاتكم من الغنيمة والظفر بعدوكم {وَلا مَا أَصَابَكُمْ} من الجراح والقتل، قاله ابن عباس وعبد الرحمن بن عوف والحسن وقتادة والسدي، {وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} سبحانه وبحمده لا إله إلا هو جل وعلا.)
{ثُمّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مّن بَعْدِ الْغَمّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَىَ طَآئِفَةً مّنْكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقّ ظَنّ الْجَاهِلِيّةِ يَقُولُونَ هَل لّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلّهِ يُخْفُونَ فِيَ أَنْفُسِهِم مّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ مّا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُل لّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىَ مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصّدُورِ إِنَّ الّذِينَ تَوَلّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلّهُمُ الشّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ}
يقول تعالى ممتناً على عباده فيما أنزل عليهم من السكينة والأمنة وهو النعاس الذي غشيهم وهم مستلمو السلاح في حال همهم وغمهم، والنعاس في مثل تلك الحال دليل على الأمان، كما قال تعالى في سورة الأنفال في قصة بدر {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ} الآية، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو نعيم وكيع، عن سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين، عن عبد الله بن مسعود، قال: النعاس في القتال من الله وفي الصلاة من الشيطان، وقال البخاري وقال لي خليفة: حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا سعيد عن قتادة، عن أنس، عن أبي طلحة، قال: كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أحد، حتى سقط سيفي من يدي مراراً، يسقط وآخذه،