قَالُوا إِنَّا نَصَارَى} إلى قوله تعالى: {فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا} الآية، وهكذا قال ههنا {أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ} الآية، وقد ثبت في الحديث أن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، لما قرأ سورة {كهيعص} بحضرة النجاشي ملك الحبشة وعنده البطاركة والقساوسة، بكى وبكوا معه حتى أخضبوا لحاهم، وثبت في الصحيحين أن النجاشي لما مات نعاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وقال: "إن أخاً لكم بالحبشة قد مات، فصلوا عليه" فخرج إلى الصحراء فصفهم وصلى عليه. وروى ابن أبي حاتم والحافظ أبو بكر بن مردويه من حديث حماد بن سلمة عن ثابت، عن أنس بن مالك، قال: لما توفي النجاشي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "استغفروا لأخيكم" فقال بعض الناس: يأمرنا أن نستغفر لعلج مات بأرض الحبشة، فنزلت {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ} الآية، ورواه عبد بن حميد وابن أبي حاتم من طريق أخرى عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم رواه ابن مردويه من طرق عن حميد، عن أنس بن مالك، بنحو ما تقدم ورواه أيضاً ابن جرير من حديث أبي بكر الهذلي عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مات النجاشي: "إن أخاكم أصحمة قد مات"، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى كما يصلي على الجنائز فكبر عليه أربعاً، فقال المنافقون: يصلي على علج مات بأرض الحبشة، فأنزل الله {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ} الآية. وقال أبو داود: حدثنا محمد بن عمرو الرازي، حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق، حدثني يزيد بن رومان، عن عروة، عن عاشئة رضي الله عنها، قالت: لما مات النجاشي كنا نحدث أنه لا يزال يرى على قبره نور. وقد روى الحافظ أبو عبد الله الحاكم في مستدركه: أنبأنا أبو العباس السياري بمرو، حدثنا عبد الله بن علي الغزال، حدثنا علي بن الحسن بن شقيق، حدثنا ابن المبارك، حدثنا مصعب بن ثابت عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه، قال: نزل بالنجاشي عدو من أرضهم، فجاءه المهاجرون فقالوا: إنا نحب أن نخرج إليهم حتى نقاتل معك وترى جرأتنا ونجزيك بما صنعت بنا، فقال: لا، دواء بنصرة الله عز وجل خير من دواء بنصرة الناس، قال: وفيه نزلت {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ} الآية. ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} يعني مسلمة أهل الكتاب. وقال عباد بن منصور: سألت الحسن البصري عن قول الله {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ} الآية، قال: هم أهل الكتاب الذين كانوا قبل محمد صلى الله عليه وسلم فاتبعوه، وعرفوا الإسلام فأعطاهم الله تعالى أجر اثنين: للذي كانوا عليه من الإيمان قبل محمد صلى الله عليه وسلم بالذي اتبعوا محمداً صلى الله عليه وسلم، رواهما ابن أبي حاتم. وقد ثبت في الصحيحين عن أبي موسى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين" فذكر منهم: ورجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي، وقوله تعالى: {لا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً} أي لا يكتمون ما بأيديهم من العلم كما فعله الطائفة المرذولة منهم، بل يبذلون ذلك مجاناً، ولهذا قال تعالى: {أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ}، قال مجاهد: {سَرِيعُ الْحِسَابِ} يعني سريع الإحصاء، رواه ابن أبي حاتم وغيره، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا} قال الحسن البصري رحمه الله: أمروا أن يصبروا على دينهم الذي ارتضاه الله لهم وهو الإسلام، فلا يدعوه لسراء ولا لضراء ولا لشدة ولا لرخاء، حتى يموتوا مسلمين، وأن يصابروا الأعداء الذين يكتمون دينهم، وكذا قال غير واحد من علماء السلف، وأما المرابطة