النصارى عيسى بن مريم. فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله". ثم رواه هو وعلي بن المديني عن سفيان بن عيينة، عن الزهري كذلك، ولفظه "إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله" وقال علي بن المديني: هذا حديث صحيح سنده وهكذا رواه البخاري عن الحميدي، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري به، ولفظه "فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله".
وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس بن مالك أن رجلاً قال يا محمد يا سيدنا وابن سيدنا، وخيرنا وابن خيرنا¹ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيها الناس عليكم بقولكم ولا يستهويكم الشيطان، أنا محمد بن عبد الله، عبد الله ورسوله، والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل" تفرد به من هذا الوجه. وقوله تعالى: {وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ} أي لا تفتروا عليه وتجعلوا له صاحبة وولداً، تعالى الله عز وجل عن ذلك علواً كبيراً، وتنزه وتقدس وتوحد في سؤدده وكبريائه وعظمته، فلا إله إلا هو، ولا رب سواه، ولهذا قال: {إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ} أي إنما هو عبد من عباد الله وخلق من خلقه، قال له: كن فكان، ورسول من رسله وكلمته ألقاها إلى مريم، أي خلقه بالكلمة التي أرسل بها جبريل عليه السلام إلى مريم فنفخ فيها من روحه بإذن ربه عز وجل، فكان عيسى بإذنه عز وجل، وكانت تلك النفخة التي نفخها في جيب درعها، فنزلت حتى ولجت فرجها بمنزلة لقاح الأب والأم، والجميع مخلوق الله عز وجل، ولهذا قيل لعيسى: إنه كلمة الله وروح منه، لأنه لم يكن له أب تولد منه، وإنما هو ناشىء عن الكلمة التي قال له بها كن فكان، والروح التي أرسل بها جبريل قال الله تعالى: {مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ}. وقال تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}. وقال تعالى: {وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ} وقال تعالى: {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} إلى آخر السورة، وقال تعالى إخباراً عن المسيح: {إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ} الآية.
وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة {وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ} هو قوله: {كُنْ فَيَكُونُ}. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي قال: سمعت شاذ بن يحيى يقول في قول الله {وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ} قال: ليس الكلمة صارت عيسى ولكن بالكلمة صار عيسى، وهذا أحسن مما ادعاه ابن جرير في قوله: {أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ} أي أعلمها بها، كما زعمه في قوله: {إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ} أي يعلمك بكلمة منه ويجعل ذلك كقوله تعالى: {وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} بل الصحيح أنها الكلمة التي جاء بها جبريل إلى مريم، فنفخ فيها بإذن الله فكان عيسى عليه السلام. وقال البخاري: حدثنا صدقة بن الفضل، حدثنا الوليد، حدثنا الأوزاعي، حدثني عمير بن هانىء، حدثنا جنادة بن أبي أمية عن عبادة بن الصامت، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من شهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل".
وقال الوليد: فحدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن عمير بن هانىء، عن جنادة زاد"من أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء"، وكذا رواه مسلم عن داود بن رشيد، عن الوليد، عن ابن جابر به، ومن وجه آخر عن الأوزاعي به، فقوله في الآية والحديث "وروح منه" كقوله: {سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ} أي من خلقه ومن عنده وليست