First Previous Next Last
القيامة. فإنهم نشأوا في سبيل الضلال والكفر والشرك والسبل الموصلة إلى الهلاك وعرفوها مفصّلة, ثم جاءهم الرسول فأخرجهم من تلك الظلمات إلى سبيل الهدى, وصراط الله المستقيم, فخرجوا من الظلمة الشديدة إلى النور التام, ومن الشرك إلى التوحيد, ومن الجهل إلى العلم, ومن الغي إلى الرشاد, ومن الظلم إلى العدل, ومن الحيرة والعمى إلى الهدى والبصائر, فعرفوا مقدار ما نالوه وظفروا به, ومقدار ما كانوا فيه. فإن الضد يظهر حسنه الضد, وإنما تتبين الأشياء بأضدادها. فازدادوا رغبة ومحبة فيما انتقلوا إليه, ونفرة وبغضا لما انتقلوا عنه, وكانوا أحب الناس للتوحيد والإيمان والإسلام وأبغض الناس في ضده, عالمين بالسبيل على التفصيل.
 وأما من جاء بعد الصحابة, فمنهم من نشأ في الإسلام غير عالم تفصيل ضده, فالتبس عليه بعض تفاصيل سبيل المؤمنين بسبيل المجرمين, فإن اللبس إنما يقع إذا ضعف العلم بالسبيلين أو أحدهما كما قال عمر بن الخطاب :" إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية" وهذا من كمال علم عمر رضي الله عنه, فإنه إذا لم يعرف الجاهلية وحكمها وهو كل ما خالف ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه من الجاهلية, فإنها منسوبة إلى الجهل, وكل ما خالف الرسول فهو من الجهل.فمن لم يعرف سبيل المجرمين, ولم تستبن له, أوشك أن يظن في بعض سبيلهم أنها من سبيل المؤمنين, كما وقع في هذه الأمة من أمور كثيرة في باب الاعتقاد والعلم والعمل هي من سبيل المجرمين والكفار وأعداء الرسل, أدخلها من لم يعرف أنها من سبيلهم في سبيل المؤمنين, ودعا إليها, وكفّر من خالفها, واستحل منه ما حرمه الله ورسوله, كما وقع لأكثر أهل البدع من الجهمية والقدرية والخوارج والروافض وأشباههم, ممن ابتدع بدعة, ودعا إليها, وكفّر من خالفها.
والناس في هذا الموضع أربع فرق: الأولى: من استبان له سبيل المؤمنين وسبيل المجرمين على التفصيل علما وعملا, وهؤلاء أعلم الخلق. الفرقة الثانية: من